صفحة عن آل سعود الوهّابيين وآراء علماء السنة في الوهّابيّة (2)
http://www.al-shia.com/html/ara/books/wahabie5/indexs.html
أين تذهب الثروة؟
وكل ثروة البلاد لا يمكن تصديقها تذهب إلى سعود وعائلته الملكّي،الاّ البعض من هذه الثروة فهو يذهب في مشروعات لا تعود إلاّ على نفس العائلة السعودية وأتباعها بالمال الوفير.
إنّ هذه الثروة الكبيرة لم تحدث أي تغيير في معيشة هؤلاء الناس أو حتى إصلاح الطرق البدائية الخربة.. ومتوسط منزل المواطن هو عبارة عن حجرة قذرة،أو حجرتين. ويتكوّن الأثاث من كليم (فراش صوفي بسيط) على الأرض وهو بكل ما يمكن تدبيره كسرير. وجمع المياه يجب أن تحمل بواسطة الصفائح من الآبار.
أمّا المراحيض ودورات المياه فلم نسمع بها. والحمام أيضاً غير موجود.
وعلى الرغم من أن تعاليم القرآن تتطلّب أن يغسل الشخص أذنيه،ووجهه،ويديه،وأنفه،وقدميه قبل أن يؤدي الصلاة،وأن هناك خمس صلوات في اليوم،على الرغم من كل ذلك فان السعوديين الحكام يحاولون تجهيل شعبهم ليمرّ المواطن على هذا مرّ الكرام،ويتمسّح على هذه الأعضاء من جسمه ليلمسه مجرّد اللّمس فقط،لتفتك به الجراثيم الناتجة عن تراكم الأوساخ!.
ولقد لعب البنسلين دوراً كبيراً في تخفيض بعض الأمراض مثل السيلان،ولكن الزهري الذي غالباً ما يكون وراثياً لا يزال منتشراً،وهذه المشكلة مؤلمة.
وقد قدم (بنى) الملك سعود بعض المستشفيات في بعض المدن الكبرى ولكنه لا يوجد ثمة شخص يدير هذه المستشفيات،وهذه المستشفيات بما فيها من معدّات هائلة لا تزال شاغرة يعلوها الصدأ،والتراب.
وفي مستشفى الملك سعود الخاص بالعائلة المالكة (يوجد أكثر من (300) أمير من الدم الملكي الذي غالباً ما تكون أمراضهم ناتجة عن التخمة،أو السمنة،أو الرغبة في اصطياد الممرضات) وهو غاص بالأطباء المتمرّنين،والموظفين الأميركان الذين يشتغلون هناك بأجور خيالية.
أمّا أبناء الشعب فان المرض يعتبر جزءاً من حياتهم،فلا أطباء،ولا عناية طبية…
ويعيش العربي هناك على وجبة واحدة من الرز والتمر،فإذا ما كان سعيداً فإنّه يأكل مرّة واحدة في الشهر قطعة من لحم الماعز.
والأطفال الذين هم من أبناء الأغنياء يعطون في بعض الأحيان لبن الجمال،وإلاّ فانهم أيضاً يعيشون على الأرز،والمياه. لأنّ معظم الأموال تصرف على الملذّات الجنسية…
على من تحرّم الخمور؟!
وجميع المشروبات الروحية محرّمة تماماً «ولكن هذا على الشعب فقط».
أمّا الأمراء،ورجال الدين الوهابي،فإنّهم يستوردونها،أو يصادرونها ممّن يستوردها ويشربونها شرب الهيم،ويبيعون ما تبقى منها على التجّار وزبائنهم.
وفي الوقت نفسه فإنّ أيّ شخص من أبناء الشعب يضبط متلبّساً ثملاً،أو يمتلك زجاجة الخمر فإنّه يجلد بالسياط بلا رحمة،ويسجن،وينفى من تلك المنطقة التي ضبط فيها…
وهذه «الممنوعات» تنطبق على المقاهي،والبوفيهات الشعبية التي لا يمتلكها أمير أو أميرة،أو ملك،أو ملكة،أو واحد من الأتباع،أو أتباع الأتباع.. فتلك المقاهي «الشعبية» يجب أن تغلق في اليوم خمس مرات،وذلك ليؤدي أفراد الشعب الصلاة طالبين من الله إطالة عمر العائلة المالكة! حيث يساق الشعب مرغماً على «هذه الصلاة» من قبل جلاوزة الهيئة الدينية «الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر» لتدخله «بيوت الله» فيعتاد «على الطاعة طاعة الأمراء»…
أمّا قارورة الويسكي فتتراوح قيمتها بين (300 ـ 400) ريال،وجمع المشروبات متوفرة لأنها عن طريق الحكام،ورجال الدين لبيعها على الشعب بباهض الأثمان…
وليس هناك مسارح في البلاد كما أنه ليس هناك صحافة بالمعنى المفهوم.
وليس هناك متاحف،ولا نوادٍ من أيّ نوع كان.
والتدخين لا يسمح به،وفي الوقت الذي تستورد فيه الحكومة هذا الدخان لتبيعه بأثمان باهضة،وتأخذ من مستورديه رسوماً خيالية.
والحقيقة أن الدين السعودي لا يسمح بأيّ نوع من أنواع النشاط عدا نوع واحد في وقت الفراغ: «ذلك هو الصلاة»…
والجهل في رأي الدين السعودي،وحكومته «فضيلة» والمرأة «عار على أهلها» وتعليمها «جريمة».
الحياة العامّة
والناس هناك يضعون حولهم سياجاً قدسيّاً،ذلك أن كل إنسان يخاف من كرباج رجال البوليس والدين السعودي،ولكنهم في داخل جحورهم،ومنازلهم العارية يفعلون كل ما يمكن أن يفعلوه…
إنّ كبارهم يلعبون الميسر مع مراقبة البوليس،وتحت حماية الحكم نفسه.
ويشتركون في اللّذّة الجنسية مع إحدى الجاريات التي يمتلكها شخص منهم،فإذا تصادف وضبط أحد آخر غير الذي يمتلك هذه الفتاة فإنّ العقاب يكون الجلد بالنّسبة لهذه الجريمة…
وقد علمت من أحد المقرّبين للعائلة أن الأمراء يمارسون اللّذة الجنسية مع قريباتهم وأقربائهم الصغار أيضاً،ويبيعون الأفيون على الشعب ليدخنه،ولكن ثمة عقوبة موجودة في ذلك وهي الضرب بالسياط بشكل قاس. وهكذا يبيعون الأفيون ويجلدون المشتري.
وقد يسمح بالرقص في بعض الأحيان حيث تقرع الطبول (وتعزف الآلات) الموسيقية،ولكن يمكن للرجل الرقص مع الرجال والنساء مع النساء.
ولا يمكن للرجل السعودي ان يعطي صوته في الانتخابات حيث ليس هناك برلمان،وليس هناك بالطبع اجتماع لهذا البرلمان،والانتخابات محرّمة،والكلمة العليا فقط تصدر من البيت السعودي.
وليس هناك سكك حديد،أو طرق ذات صفة مستديمة…
والسفر يكون بطريق السيارة،والأتوبيس على الطرق التي أنشئت بواسطة صبّ الزيت على الرمال.. ثم سوّيت بعد ذلك بالهرّاسة البخارية…
إنّ العواصف قد جعلت السكك الحديد،والإسفلت في الطرق الرئيسية غير صالحة،فقد يحدث أن تغطى تماماً هذه الطرق بالرّمال ثم لا يوجد لها أثر بعد ذلك…
وهذا ما يحدث لخطوط السكك الحديد،والطرق الرئيسيّة التي حاولوا أن ينشئوها في الماضي.
وأنّه لمن الصعب حقاً للرجل الغربي أن يفهم مقدار الشقاء،والتعاسة التي يعيشها الناس في القرى البعيدة عن البلاد.
والمرأة الحامل تستمر في السير حتى يأتيها المخاض ويرغمها على أن ترقد في الأرض في حفرة،أو تحت جذوع الأشجار،وتضع طفلها. وبعد أن تنتهي من هذه الولادة تستمرّ في سيرها،أو ترجع مرة أخرى إلى عملها إذا كانت فلاّحة،وفي نهاية اليوم تحمل طفلها وتأخذه معها إلى منزلها.
ومثل هؤلاء النساء يتزوجن وهنّ في العاشرة،أو الحادية عشرة من عمرهن،(ويتزوج الرجل وهو في سن (13) الى (18) سنة) ويمضي الوقت،عندما يصبحان في سن الثلاثين يكونان قد انتهيا من هذه الحياة.
ولكن الذي يجب أن ندركه في هذا الصدد بشأن الطريقة القاسية التي تنجب النسوة بمقتضاها الأطفال التعساء،أو القدرة الموجودة في الرجل العربي على أن يشفى بعد ضربه،أو جلده سبعين جلدة،فإن الرجل الامريكي،أو الأوربي قد يموت على الأرجح في مثل هذه الظروف من جلدة،أو جلدتين.
إن هؤلاء الناس قد تعوّدوا على مثل هذه الحياة الوحشية.
والشيء الوحيد الذي يخفّف كل هذه القيود،وكل هذه الحياة المنخفضة المملّة التي يسودها الفقر والعذاب هو: الحياة الجنسية السعودية التي تعتبر من النسب العالمية في إنجاب الأطفال،وكذلك استعمال المخدّارت،وبإمكانك أن تقدر أنّ (80) يموتون،والباقي يعيش.
فاذا كنت في البلاد «السعودية» العربية وأقمت هناك مدّة مثل ما أقمت فسوف تلمس أن الحكومة قد قرّرت على أن تجعل الشعب في حالة من التأخر والانحطاط والتعاسة كما هم عليه الآن.
أين تذهب الأموال؟!
وفيما عدا المدن الكبيرة فليست هناك مدارس في البلاد،وليست هناك مشروعات لهذه المدارس.
وأبناء الملك سعود لهم مدرسّون خصوصيون،وبينما تجد التعاسة والشقاء يخيّمان على عدد كبير من المواطنين في البلاد،نجد أن الكماليات تسيطر على الحياة الموجودة في القصور الملكية.
إنّ الزيت الموجود في البلاد يقدّر بثلاثة أضعاف الزيت الموجود في الولايات المتحدة،وكل هذا الذهب السائل يعتبر ملكاً خاصاً لآل سعود!.
فليس «لجلالته» أن يعمل شيئاً بصدد هذا الزيت وهذه الآبار «التي يمتلكها» إن رؤوس الأموال الامريكية،والموظفين الأمريكيين هم فقط كل شيء.. ولكن في النهاية وبمعنى آخر في نهاية كل عام يعطى الملك مئة مليون جنيه بالإضافة إلى ما يستحصله بطرق أخرى.
وكل هذه الأموال تهدر دون وعي.
فالسيارات الكاديلاك تطلب بالعشرات.
والطائرات الخاصة،وكذلك أجهزة تكييف الهواء في القصور التي توجد في جميع أنحاء «مملكة العائلة» وكذلك السيارات المصفّحة،والمذهّبة الملكية المكيّفة بالهواء،التي تقابل الملك أينما حل في البلاد،أو رحل،كل ذلك يتطلب أموالاً باهضة،وعملة صعبة ولكن.. لكل شيءٍ نهاية…
القصور والحريم
وأخر قصر ملكي انتهي من عمله في جدّة تكلّف تسعة ملايين جنيه،وأمثاله في الرياض ومكة،والمدينة،والظهران…
وفي الوقت الحاضر يمتلك سعود (124) قصراً خاصاً به بما فيها قصر آخر يبنى الآن في الدمام.
ويتكون حريم سعود فقط من (2000) ثلاثة آلاف أمرأة. وثلاثة (1) من هؤلاء الزوجات يكنّ دائماً على استعداد يوميّاً.. ومعظم النساء،والجواري يتنافسن في اللّون،والعمر،والجمال والحجم…
والسعوديون يعتبرون الحياة الجنسية لازمة مستلزمة من مستلزمات المظهر الملكي. وليس هناك من يعلم من موظفي القصور الرسميّة ما هو عدد بنات الملك سعود.
(النساء ليست لهن أدنى أهمية بالنسبة للسعوديّين،لدرجة أن الملك لا يهتم مطلقاً بتعداد بناته).
وقد قيل لي من مصدر موثوق أن الملك له (130) ولداً آنذاك.
وسعود يهتم كثيراً بالأولاد.. فهو يلعب معهم ويمنح كلاً منهم مرتّباً ثابتاً خياليّاً.
وعندما يبلغ عمر الابن سن الـ (12) عاماً يظهر ومعه من سيارات الكاديلاك وعدد من الخدم،والجواري،والنساء والعبيد…
وعندما زارت السعودية الملكة ثريا ملكة إيران السابقة منذ عدة سنوات أهداها الملك سعود من المجوهرات ما يعادل (35000) جنيه. وعدداً من السيارات المذهبة.
ــــــــــ
(1) كذا في الأصل والصحيح «ثلاث». (المصحح).
السَّفه
وفي أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن،أدهش موظفي المطاعم بالمنح التي كان يهبها كساعات الذهب التي كان يخلعها على جميع الجوسونات.
وفي أثناء حكم الوالد عبدالعزيز بن سعود عندما كان يسافر الأمراء السعوديّون إلى بيروت،وأوروبا كانوا ينفقون أموالاً باهضة جداُ من الذهب،ولكن الملك سعود قد عمل على إيجاد مخصّصات للبيت المالك،فجعل إخوانه الاُمراء (وعددهم لا يحصى) يعيشون على مبلغ ثابت لكلّ منهم متوسطه (10500 جنيه شهرياً) علاوة على المصاريف الأخرى التي يمكن أن تستحصل عن طريق المصاريف اللاّزمة لإدارة قصورهم،وسياراتهم الكاديلاك،والطائرات الخاصة،والحريم الخ…
وقد عين سعود أخاه الأمير فيصل رئيساً للوزارة،ووزيراً للخارجية بمرتب شهري قدره (100000) مئة ألف جنيه في السنة. وقد أعطى مثل هذا المرتب الى أربعة آخرين من الأمراء الذين عينهم في وزارته. ومع ذلك فإنّ «مجلس الوزراء المستوزرين» هذا ليس إلاّ صورة ناطقة بلسان الحكم السعودي ووحشيّته.
والأمير فيصل يملك (5000000) جنيه (وهي) عبارة عن عمارات سكنية في القاهرة فقط…
وهناك أمير آخر يبني الآن قصراً في مشارف القاهرة يطل على (14) عمارة سكنية بناها من قبل.
ولو فرضنا جدلاً أن بعض أمراء البيت السعودي قد يودون أن يعملوا بعض التحسينات لبلادهم فإنّهم في نفس الوقت لا يريدون أن يشعروا الناس بأنهم بدأوا يعرفون معنى الديموقراطية أو معنى مشاركتهم في الثروة.
وقد بنيت بعض المستشفيات القليلة جدّاً،والمدارس الموجهة،وليس هناك أيّ فائدة لوجودها.
وسعود بطيء التفكير،بطيء الحركة،ليس لديه ما يؤهله ليتعامل،ويتفرّغ للمشكلات السعودية.
وقد تعلّم سعود من والده الطرق الوحشية التي كان يجريها والده في الصحراء.
فهو لم يدخل مدرسة ما،ولم يتعلّم شيئاً سوى القرآن،ولكنه تعلم كيف يكون لصّاً خطيراً،ومواجاً شهيراً…
وقد ساعد والده على تقوية الرقابة حول المملكة العربية السعودية عن طريق قطع الرقاب للقبائل المعارضة،والثائرة على الوضع الفاسد.
والملك الحالي جاء بعد موت والده في عام (1953م) وذلك بالنسبة لماضيه الشرير،فهو لا يمكنه أن يفهم،أو يحاول ان يفهم المشاكل المعاصرة في بلاده.
فمثلاً عندما دعي سعود إلى زيارة رسمية لشركة آرامكو حيث يعمل بها (15000) عامل من العرب هناك (هذا هو كل العدد الذي يعمل في الصناعة في جميع أنحاء المملكة السعودية السعيدة).
كان هناك مظاهرة بقيادة (4000) من العمال لمقابلة الموكب الملكي قبل وصوله بقليل،وكنت بنفسي موجوداً في الشركة في ذلك الوقت،وعلى ذلك فإنّي شاهد عيان لما حدث عندما وصل الملك.
عندما وصل سعود وحاشيته إلى بوابة الشركة بدأ العمال بالصياح: «فليسقط الظلم. فليسقط المستعمرون الأمريكان» وذلك في (9/6/1956م).
وهنا التفت سعود الى رئيس الحرس وأعطاه أمراً: على الفور نزل الحراس الخصوصيون بين العمال،وبدأوا بضرب المتظاهرين حتى أماتوا الكثير منهم.
وتعتبر آرامكو بما فيها من الامريكان الفنّيّين الشريان الحيوي للعرش السعودي،وبدون هذه الشركة لا يمكنهم أن يستحوذوا على قطرة من الزيت من باطن الأرض،كما أنهم لا يمكنهم أن يديروا هذه الشركة بما فيها من الآلات المعقّدة لأنّهم لا يعلّمون أبناء الشعب،ولا يعتمدون عليهم،لسبب واحد هو أنهم يخشونهم.
وفي الواقع انه لكي يكون سعر الزيت منخفضاً،ومبلغ الـ (100) مليون جنيه بعيدة عن أن يشترك فيها أحد،لابدّ أن يكون معظم الشعب (المسعدن) جاهلاً بما يجري في العالم الآخر من أحداث،ولكن الشعب يفهم واقعه تماماً وهو يغلي كالبركان،رغم عدم تعليمه.
وهذا هو السبب الّذي من أجله لا توجد مدارس،ولا أنظمة لإنشائها.
وهذا هو السبب الذي من أجله يسمح فقط لعدد قليل من الكتب،والجرائد بدخول البلاد.
ولكن على الرغم من هذا فإنّ الشعب كما قلت قد عرف مظاهر الحضارة الموجودة في الظهران،أو على الأقل إحدى الوسائل التي يعيش فيها الامريكان وهي التي بذرت البذرة الاولى وفتحت العيون.
وسينتصر الشعب حتماً…
«انتهى ما أورده الطبيب» (1).
ــــــــــ
(1) تجديد كشف الارتياب ص (57) الى (69).
ما قدمه السعوديون في الحرب الفلسطينية
لكي نعرف ما قدّمه السعوديون في الحرب الفلسطينية يكفي أن نأخذ هذه الفقرة من مذكرات القائد طه الهاشمي (1) الذي كان رئيساً للّجنة العسكرية المنبثقة سنة (1947 ـ 1948) عن جامعة الدول العربية للإشراف على حرب فلسطين.
وقد نشر هذه المذكرات في جريدة «الحارس» البغدادية،قال الهاشمي: «إنّ الحكومة السعودية أبرقت للّجنة العسركية عن أسلحة معدّة لإنجاد فلسطين موجودة في (سكاكة) بالصحراء السعودية،فأرسلت الحكومة السورية طيّارات عسكرية فأحضرت تلك الأسلحة لدمشق،وسلّمتها الى المصنع الحربي التابع للجيش السوري لفرزها وتبويبها،فإذا هي أسلحة عتيقة متعددة الأنواع،والأشكال،فيها الموزر والشنيدر،والمارتيني الخ،وفيها بنادق فرنسية،وإنكليزية،وعثمانية،ومصرية ويونانية،ونمساوية وكلها بدون جبخانة وكلها مصدئة (خردة) لا تصلح لقتال…».
ثم قال الهاشمي: «إنّهم وجدوا بين هذه الحدايد بنادق ممّا تعبّأ بالكحل من فوهتها وتدك من الفوهة أيضاً،وانها من مخلّفات حملة الجيش المصري على الوهابين في أوائل القرن التاسع عشر…» (انتهى).
وليس هذا فقط فإنّ رؤساء الوفود العربية في هيئة الأمم المتحدة أرسلوا عشية الموافقة على قرار تقسيم فلسطين عام (1948) برقية إلى الملك السعودي يلحّون عليه بإصدار تصريح ـ مجرد تصريح ـ يهدّد فيه بقطع البترول إذا صوّتت أمريكا على التقسيم واعترفت بإسرائيل.
فماذا كان ردّ الملك؟
كان أن أعطى تصريحاً معاكساً قال فيه: «إنّ المصالح الامريكية في السعودية محميّة،وان الأمريكيّين هم من «أهل الذمّة»،وإنّ حمايتهم،وحماية مصالحهم واجب منصوص عليه في القرآن الكريم!».
وهكذا تمّ تقسيم فلسطين،وإقامة إسرائيل،واعتراف أمريكا بالدولة المغتصبة بعد إعلان قيامها بدقيقة واحدة! (2).
ــــــــــ
(1) طه الهاشمي هذا هو الذي أراد الإطاحة بحكومة الملك غازي الأول ملك العراق، وهو الذي أصدر قانون حصر المهن بالعراقيين عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين ـ المؤلف ـ .
(2) تجديد كشف الارتياب ص (385، 286).
خدمات آل سعود لليهود (1)
يقول جون فيلبي: (لقد أصبحت مهمتي المكلف بها من المخابرات الانكليزية بعد مقتل الكابتن شكسبير،قائد الجيش السعودي،هي: الدعم والتمويل والتنظيم والتخطيط لإنجاح عبدالعزيز آل سعود في مهمته (2)).. كما يفضح جون فيلبي دعم اليهود لآل سعود،واتصال «بن غوريون» مع عبدالعزيز آل سعود.
قال جون فيلبي: إنه (بعد مصرع قائد جيش عبدالعزيز آل سعود الكابتن شكسبير على أيدي قوات ابن الرشيد في نجد،وصلت رسالة من رئاسة المخابرات الانكليزية في لندن تؤيد وجهة نظر السيد برسي كوكس ـ حينما كنت سكرتيراً له في العراق ـ وتحثه الرسالة بدعم عبدالعزيز آل سعود وتعيين جون فيلبي خلفاً للكابتن شكسبير وتسليمه كامل المسؤولية للعمل بكل وسيلة تمكنه من دحر خصوم ابن السعود.. وكانت الرسالة تلك بداية لترك عملي كسكرتير لرئيس مكتب المخابرات في الجزيرة والخليج السيربرسي زكريا كوكس لأتفرّغ إلى مهمة أهم من عبدالعزيز آل سعود،وإعادة تنظيم جيشه وتمويله،وإيجاد ميزانية خاصة له وتسليحه بالذخيرة والسلاح،وإحياء الأفكار الوهّابية،والقيام بإيجاد عملاء لنا مهمتهم تزويدنا بمعلومات عن خصوم ابن السعود الأقوياء،مع بث أفكارنا بينهم،وبث الاشاعات المرجفة في هذه المدن والقبائل والقرى المعادية،وركزنا على كسب العديد من الوجهاء ورجال الدين في البلاد،كما استطعنا أن نخلق وجهاء جدد في المناطق التي لم يرض وجهاؤها السابقون السير معنا،وسارت الأمور بقيادتي على أحسن ممّا أراده قادتي في لندن والخليج،الشيء الذي نلت عليه منهم الثناء ـ كما ذكرت في مكان آخر ـ وبعد سقوط حكم ابن الرشيد في حائل وسقوط عرش الحسين ابن علي في الحجاز أنشأنا إمارة شرق الأردن ونقلنا إليها الأمير عبدالله بن الحسين،وكلف الانكليز أشخاصاً غيري لمراقبة وتوجيه عبدالله وتنظيم الإمارة الجديدة،إلاّ أن هؤلاء الاشخاص ما استطاعوا ترويض الأمير عبدالله الذي ظن أن هذه القطعة الجديدة من الأرض التي منحت له ما هي إلاّ «ملكه الخاص وعرشه البديل للعرش الضائع» في الحجاز وأنه بإمكانه التصرف بمزاجه بعيداً عن خطّنا المرسوم وأن بإمكانه أن يجعل من الأردن منطلق هجوم ضد ابن السعود لاستعادة العرش الهاشمي الذي منحه الانكليز لعبدالعزيز،وكذلك ظن أن بإمكانه استعادة عرش سوريا الذي منحه الانكليز لأخيه فيصل ثم تنازل عنه الانكليز للفرنسيين،ثم عمل الانكليز جهدهم أخيراً لتخليص سوريا من الفرنسيين!.. ومن أجل ذلك رأى قادتي أنه لا مناص من ذهابي إلى الأردن في مهمة ترويضية.. وكانت أول جملة كلّفني السيربرسي كوكس بنقلها للأمير عبدالله هي «أن يقبل عبدالله بما قسم الله له،وأن لا يجعل من عشه الجديد ثكنة حربية ضد عبدالعزيز آل سعود بحجة العمل لاستعادة العرش الهاشمي الملغى ذكره ووجوده في الحجاز وإلى الأبد»،وأيضاً يجب أن أفهم عبدالله ألاّ يحرك ساكناً ضد فرنسا في سوريا ولبنان،وأن يسلم الثوّار السوريين للسلطات الفرنسية في دمشق،وأن يتعاون مع الوجود البريطاني واليهودي في فلسطين،وأن يسلّم لابن السعود الحجازيين والنجديين والشمامرة الذين هربوا معه أو لجأوا إليه فأخذ يعدهم في الاردن لمضايقة ابن السعود.. هذه هي أسس المهام التي كلّفت من قيادتي بترويض الامير عبدالله عليها)!..
ويتابع جون فيلبي سرد الذكريات قائلاً: (وبعد شهرين من وصولي إلى الأردن قمت بجولة في أنحاء فلسطين وكانت الثورة الفلسطينية في بدايتها ويعيش الانكليز في قلق منها،فحاول بعضهم توسيط الأمير عبدالله لدى الثوار الفلسطينين بإيقاف الثورة،فحبذت الفكرة لعلمي أن عبدالله سيفشل في وساطته لعدم نفوذ الأمير عبدالله بين الفلسطينين،وبالتالي سيكون الجو مهيئاً لصديقنا العزيز عبدالعزيز فتنجح وساطته فترتفع أسهمه لدى الانكليز أكثر فأكثر،وهذا ما تمّ فعلاً،وما اقترحته بعد فشل عبدالله في الوساطة،إذ اقترحت توسيط عبدالعزيز آل سعود،وهكذا نجح عبدالعزيز بما فشل فيه عبدالله عام (1936م)،بل إنه بمجرد أن عرض عبدالعزيز آل سعود وساطته لدى وجهاء فلسطين قبلوا وساطته بإيقاف الثورة ضد الإنكليز،واثقين مما تعهد لهم عبدالعزيز به وأقسم لهم عليه قائلاً: «إن أصدقاءنا الانكليز تعهدوا لي على حل قضية فلسطين لصالح الفلسطينيين،وإنني أتحمّل مسؤولية هذا العهد والوعد» وقد نقل لهم هذه الرسالة إبنه فيصل ثم ألحق به ابنه الثاني سعود.. وكان النجاح وساطة عبدالعزيز آل سعود صداها القوي لدى الإنكليز واليهود،وكانت المنعطف الأكبر في تاريخ فلسطين،وعزّز ذلك النجاح الباهر كافة آرائي بعبد العزيز أمام رؤسائي بل وحتى أمام خصومي في «المكتب العربي بالقاهرة» الذين ما زال بعضهم يؤيد الهاشميين ويعتبرهم أصلح لنا من آل سعود.. وأثناء رحلتي تلك الى فلسطين عرجت إلى تل أبيب وقابلني الزعيم اليهودي ديفيد بن غوريون وكان فرحاً لنجاح الوساطة السعودية التي أوقفت الثورة الفلسطينية،إلاّ أنه أبدى قلقه من سبب ابتعادي عن عبدالعزيز آل سعود وقال: إن وجودك «يا حاج عبدالله» مهم بالقرب من عبدالعزيز هذه الأيام،فقلت لابن غوريون: «إننا لم نعد نخشى على عبدالعزيز آل سعود،فلديه من الحصانة ما يكفي لتطعيمي وتطعيمك!.. كما قد حصنّاه سابقاً بعدد من المستشارين العرب،بالإضافة إلى أن هناك من يقوم الآن بدوري لديه،مع أنني لم أبتعد هذه الايام عنه لغير صالحه في ترويض خصومه في شرق الأردن».
هنالك ظهرت على وجه بن غوريون علامة الارتياح،وتشعّب الحديث مع بن غوريون في أمور هامة تتعلق في الشؤون العربية ومستقبل اليهود،وأخبرت بن غوريون أن أمير شرق الأردن عبدالله بن الحسين كان في منتهى الشراسة بعد أن أخرجناه من الحجاز،وكان يكنّ الحقد حيناً ويظهره أحياناً لبريطانيا على فعلتها بتسليم عرشه لعبدالعزيز آل سعود،ومن أجل ذلك أخذ يتبنّى العديد من الرجال المعارضين لعبدالعزيز والمعارضين للفرنسيين والانكليز واليهود على حدّ سواء،وهو ما زال يكره ابن السعود ويجعل من الأردن مكان تجمّع لخصوم ابن السعود معدّاً إياهم للعودة بهم في حرب خاطفة يعيد بها ما فقدوه في الحجاز وحائل ونجد وعسير،فقال بن غوريون: «نحن ندرك هذا تماماً ونقدّر جهودك،والذين اختاروك لاشكّ يدركون ما لديك من مقدرة فائقة على ترويض الأمراء العرب». قلت لابن غوريون: «قبل أيام أخرجت جيش الإخوان المسلمين السعوديين لتأديب الامير عبدالله فهددوا كيانه،فاستنجد بي لإنقاذه منهم مبدياً الكثير من التودد والطاعة لبريطانيا،وبذلك أوعزنا لعبدالعزيز آل سعود بإيقاف جيش الاخوان عند حدّهم قبل أن يدخلوا الأردن وينزلوا فيها الدمار.. الا أن عبدالعزيز لاقى صعوبة في صد هذا الجند البدوي الشرس صعب الترويض والمراس فاضطررت الى اعطاء الامر للطائرات الحربية البريطانية المرابطة في الاردن لتأديبهم،ولو لم توقع الطائرات بهم بعض الخسائر لما تراجعوا وما سمعوا كلمة شيخهم عبدالعزيز آل سعود!.. لكنه رغم ما أصاب عبدالله من هلع كان مازال شرس الطباع ضد بريطانيا،ممّا جعلني أوحي إلى قبيلة ابن عدوان في الأردن بالخروج لضرب عبدالله وتطويق قصر الشونة لإرهابه كنوع من أنواع الترويض،وحينها استنجد عبدالله بي مرة أخرى قائلاً: إنني أعرف أن كل هذه الأعمال ما حدثت إلاّ بعد مجيئك يا حاج فيلبي بغية ثني إرادتي عن مقاومة حبيبكم عبدالعزيز آل سعود.. إنني اعدك بابعاد هذه الفكرة نهائياً،لكنني ارجو إعفائي من مسألة إبعاد الذين لجأوا معي من الحجاز ونجد هرباً من وحشية صاحبكم وجنوده التي أنت أعرف الناس بها. وما مجزرة تربة والخرمة والطائف ببعيدة عن ذاكرتك.. فقلت لعبدالله: إنني أعدك ببذل كل مجهود لحمايتك بعد أن اتضح لنا أنك لا تنوي بابن السعود شراً أما اللاجئين فرأيي بهم كما تراه أنت،هو ألاّ نسلمهم لابن السعود على ألاّ يقوم أيّ أحد منهم بنشاط ضده.. فقال عبدالله: إتفقنا يا حاج فيلبي!.. وهكذا تخلى عبدالله عن أفكاره الوطنية والقومية في غزو الحجاز أو إثارة أيّ نوع من الشغب ضد ابن السعود بعد أن جمع لهذه الفكرة كل مخلّفات جيشه وجيش والده الهارب من الحجاز،جاعلاً من الأردن «أرض ميعاده الجديدة» لإخراج السعوديين من الحاجز ونجد)…
وأردف جون فيلبي قوله: (وبذلك اطمأن بن غوريون وابتسم معبّراً عن غبطته باستقرار الامور لصالح ابن السعود وبما توصلّت إليه من ترويض للأمير عبدالله بن الحسين،وقال بن غوريون وابتسامة الرضى بادية على وجهه من حديثي: «إذن أنت ما زلت أيها العظيم على علاقة حسنة بالرجل العظيم» قلت لابن غوريون: «من تقصد بالرجل العظيم»؟.. فقال بن غوريون: «وهل هناك مقصود في المنطقة العربية خلاف ابن العم عبدالعزيز بن سعود».. قال بن غوريون كلمة «ابن العم» وهو مدرك تمام معرفتي بتسلسل النسب السعودي المنحدر من قبيلة بني القينقاع اليهودية،ثم أخذ بن غوريون يعدّد لي زعماء وملوك وقادة اليهود الذين دخلوا الدينين المسيحي والاسلامي وغيرهما من الأديان لخدمة الهدف اليهودي والذين حكموا العالم عملاً بتحقيق الغاية الكبرى لبني إسرائيل فأورد أسماء كثيرة. واختتم بن غوريون حديثه عن ملوك وقادة بني إسرائيل عبر التاريخ مفاخراً بقوله:
«وهكذا ترى يا شيخ عبدالله كيف كانوا ملوكنا وقادتنا عبر التاريخ صنّاع حضارة وتاريخ ومجد عن عهد سليمان وداوود إلى عهد ابن السعود» ).. ويتابع جون فيلبي اعترافاته فيقول: (ولما عدنا الى الحديث عن الأمير «الحجازي الأردني» عبدالله الذي نقلناه من الحجاز لإقامة جبرية ينشىء خلالها دولة جديدة في صحراء الأردن السورية أيّد بن غوريون إقامة مثل هذه الدولة على أن تكون مملكة فيما بعد. كما أيد إقامة مملكة ابن السعود قائلاً: إن جذور الملكية هي التي تضرب في الأرض أكثر من سواها. وقال: «إننا بإقامة هاتين المملكتين ستطمئنّ قلوبنا لوجود سياجين حاميين لدولة إسرائيل المزمع قيامها في الوقت المناسب لولادتها ولادة لا تشويه فيها،وهذا لا يتم بالطبع إلاّ بإقامة التحصينات حولها باسم العرب الذين نثق بهم». وعدت أداعب بن غوريون قائلاً: «أنت قد عدّدت لي الكثير من الملوك والقادة اليهود الذين حكموا العالم لكنك لم تتطرق لنسب ملوك بني هاشم وهل هم من اليهود أم لا؟!..» فقال بن غوريون وهو يبتسم: «حتى وإن كانوا من اليهود فإنني لا أحبذ أن ينتسب الينا أي مهزوم،أمّا نسبنا مع ابن السعود فهو ثابت أكثر من سواه».. وفي نهاية اللقاء طلبت بن غوريون مرافقتي للأردن لمقابلة الأمير عبدالله،ويومها رافقني وأعددت له المقابلة في مسكني ـ مقر المندوب السامي ـ رغم تردد الأمير عبدالله في المقابلة التي قبلها من باب الستدرار عطفي طالباً أن يكون المكان خالياً من سوانا نحن الثلاثة،وفي اللقاء تبادر عبدالله وبن غوريون كلمات الود والتعاطف والمجاملات،وقطع الأمير عبدالله وعده لبن غوريون في تلك المقابلة «بتأييد القضية اليهودية العادلة».. وبعد الاجتماع حمّلني بن غوريون رسالة خطية لعبدالعزيز آل سعود لأسلمها له شخصياً حينما ألتقي به في اللقاء المرتقب،وحينما جئت لأودّع الأمير عبدالله متجها الى الحجاز متمنياً من سموه تكليفي بأية خدمة يريد مني تأديتها لسموّه في الحجاز،إبتسم عبدالله وهو يودّعني ويقول: «إن الخدمة التي أود تأديتها لي هي أن تخلص لي من صميم قلبك بل تمنحني ولو بعض إخلاصك لابن السعود» وسألني عبدالله قائلاً: «هل لي بمعرفة شيء من مهمتك في الحجاز الآن؟» قلت: «إنها يا سمو الأمير «مهمة حج لقضاء حاجة» كما يقول المثل النجدي».. والحقيقة أنني تعودت قضاء فريضة الحج في مكة مع عبدالعزيز كلما سنحت لي الفرصة لأكون معه قريباً من الله!.. وسافرت من الأردن إلى مكة وهناك قابلت الصديق الصدوق عبدالعزيز آل سعود المتلهف لأخباري،وما أن قابلته في مجلسه الواسع وسألني عن «العلوم» أي الأخبار حتى أفهمته بإشارة يفهمها مني تمام الفهم وتعني «أن فضّ هؤلاء الناس الموجودين في المجلس» ففضهم،ولم يبق سوانا نحن الإثنين ـ عبدالله فيلبي،وعبدالعزيز ـ فطمأنته من أنني صفّيت الوضع في الأردن لصالحه وصالح بريطانيا،ثم قرأت عليه رسالة بن غوريون التي جاء فيها قول بن غوريون لعبدالعزيز «يا صاحب الجلالة.. يا أخي بالله والوطن» وكانت لكلمة «يا صاحب الجلالة» رنة في أذن عبدالعزيز فهي أول كلمة يسمعها عبدالعزيز بعد توليه العرش،إذ لم يتعوّد من عرب نجد سماعها أو دعوته إلاّ باسمه المجرد (يا عبدالعزيز) أو (يا طويل العمر) على أكثر تقدير.. وعندها استوقفني عبدالعزيز عن تلاوتي لرسالة بن غوريون متسائلاً يقول: «لماذا يدعوني ـ بن غوريون ـ صاحب الجلالة وأخوه بالله والوطن؟!» فقلت لعبدالعزيز: إن جميع أهل أوربا لا يلقبون ملوكهم إلاّ بأصحاب الجلالة لأنهم ظل الله في الأرض!..،أما قول بن غوريون عن «أخوّتك بالله والوطن»،«فكلنا إخوة له بالله والوطن وأنت أعرف بذلك!!».. فقال: «ألآن فهمت.. أتمم رسالتك يا حاج» فتلوت الرسالة التي جاء قول بن غوريون: «إنّ مبلغ العشرين ألف جنية استرليني ما هو إلاّ إعانة منّا لدعمك فيما تحتاج إليه في تصريف شؤون ملكك الجديد في هذه المملكة الشاسعة المباركة،وإني أحب أن أؤكد لك أنه ليس في هذا المبلغ ذرة من الحرام فكله من تبرعات يهود بريطانيا وأوربا الذين قد دعموك لدى الحكومة البريطانية في السابق ضد ابن الرشيد وكافة خصومك،وجعلوا بريطانيا تضحي بصديقها السابق حسين لأجلك لكونه رفض حتى إعطاء قطعة من فلسطين لليهود الذين شرّدوا في العالم»)..
ويتابع فيلبي قوله: «لقد استوقفني عبدالعزيز مراراً متسائلاً عن الكثير من جمل تلك الرسالة،من ذلك أنه سألني عن مبلغ الـ (20) ألف جنيه استرليني قائلاً: «وهل ينوي بن غوريون تهديدي بهذا المبلغ الذي بعثه لي بواسطتك؟ وهل عرفت حكومة بريطانيا العظمى بهذا المبلغ؟ وهل استلامي للمبلغ من بن غوريون لا يغضب حكومة بريطانيا فتقطع عني المرتب الشهري والعون؟..» قلت: «أبداً.. إن اليهود في بريطانيا هم حكام بريطانيا بالفعل،إنهم الحكم والسلطة والصحافة والمخابرات البريطانية،إن لهم مراكز النفوذ الأقوى في بريطانيا،وكانوا وراء دعمك وعونك،ووراء الاستمرار في صرف مرتبك حتى الآن عن طريق المكتب الهندي.. كما كانوا في السابق وراء قطع هذا المرتب لاختبارك هل سترفض أو لا ترفض التوقيع بإعطاء فلسطين لليهود».. قال عبدالعزيز: «وهل اطلع أحد على رسالة بن غوريون هذه؟» فأجبته: «لم يطّلع عليها سوى أربعة»!!. فبدا على وجه عبدالعزيز الامتعاض الشديد أثناء تساؤله بلهفة عن معرفة هؤلاء الأربعة الذين اطلعوا على الرسالة!: «من هم الأربعة؟؟.. من هم الأربعة يا حاج فيلبي؟.. أنا لا أخشى غضب أحد إلا غضب الله وبريطانيا!» قلت لعبدالعزيز إن هؤلاء الأربعة هم: «الله وأنا وبن غوريون وعبدالعزيز» فضحك عبدالعزيز لهذا وهو يقول: «الله الأول عالم بكل شيء. أمّا الثلاثة الباقون فقد ضحكوا على الله ـ لكنني أسألك عن ـ عبيدالله ـ و على الأخص ـ عبدالله ـ الذي في الأردن ـ هل أخبره بن غوريون بشيء حينما التقى معه؟» ويقصد بذلك أمير الأردن عبدالله ـ الملك عبدالله فيما بعد ـ .. قلت: «لم يعرف عبدالله أي شيء. وأنت تعلم أننا لو أردنا إطلاعه على الأسرار التي بيننا وبينك لما منحناك عرشي الحجاز ومنحناه غور الأردن».. وانتهى اللقاء بتحميلي وصية شفهية من عبدالعزيز لبن غوريون يقول فيها: «قل للأخ بن غوريون إننا لن ننسى فضل أمنا وأبونا بريطانيا،كما لم ننس فضل أبناء عمنا اليهود في دعمنا وفي مقدمتهم السير برسي كوكس،وندعو الله أن يلحقنا أقصى ما نريده،ونعمل من أجله لتمكين هؤلاء اليهود المساكين المشردين في أنحاء العالم لتحقيق ما يريدون في مستقر لهم يكفيهم هذا العناء»!. ورجعت من «الحج قاضياً حاجتي».. وفي الأردن أخبرت الأمير عبدالله «أن عبدالعزيز بن سعود يسلّم على سموكم وأننا سوف نجري مصالحة بين الطرفين نظراً لما تقتضيه مصلحة الجميع». وفي اليوم التالي لوصولي بلّغت رسالة «صقر الجزيرة» لبن غوريون.. و«صقر الجزيرة» هو الاسم المتعارف عليه في ملفات المخابرات البريطانية. إنه عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود).. انتهى.
ــــــــــ
(1) تاريخ آل سعود ص (582) إلى (587).
(2) انظر «أعمدة الاستعمار» لخيري حماد،والرسالة المطولة التي بعثها «الحاج» جون فيلبي مع «الحاج» حسين العويني الى الملك سعود حينما نفت السعودية جون فيلبي الى بيروت.. وهددهم فيلبي بكشف آل سعود على حقيقتهم!.. فأعادوه في حينها،وكذلك محاضرة لجون فيلبي ألقاها في «أمريكان سيتي» المدينة الامريكية في الظهران بعد عودته من «منافه» في بيروت في (24/19554).
مشروع بريطانيا العظيم!
