حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني

شبكة قنوات المناهل.
قناة SEX العالمية - قناة هديل الصوتية - قناة الحقيقة القطرية - قناة شهيد كربلاء (ع) - قناة الفضيلة الرمضانية - قناة اقرأ التعليمية - قناة العـــ 3 ـــرب - قناة المسلمين العالمية Channel Muslim's World

09/07/2007 GMT 1

عبس وتولى .. فيمن نزلت؟ 2

2007-2010hassan @ 17:20

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

عبس وتولى فيمن نزلت؟

ــــــــــــــــــــــــــــــ

حقوق الطبع محفوظة

للمركز الإسلامي للدراسات

الطبعة الأولى

1417هـ ـ 1996م

http://www.alhadi.org/Data/books/Html/main_1/abasa_wa_tawala/abasa_wa_tawala.htm

ــــــــــــــــــــــــــــــ

المركز الإسلامي للدراسات

عبس وتولى فيمن نزلت؟

رضوان شرارة

ــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الأول

معاني الآيات ووجوه تفسيرها وبلاغتها وتقييم سبب النزول ورواياته.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الله تعالى في كتابه الكريم:

[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) عَبَسَ وَتَوَلَّى (2) أَنْ جَاءهُ الأعْمَى (3) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (4) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (5) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (6) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (7) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى (8) وَأَمَّا مَنْ جَاءكَ يَسْعَى (9) وَهُوَ يَخْشَى (10) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (11) كَلاَ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (12)].

روى أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ومن قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر (53) مجمع البيان ج10 ص 435.. وروى معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ومن قرأ سورة عبس وتولى وإذا الشمس كورت كان تحت جناح الله في الجنان وفي ظل الله وكرامته في جنانه ولا يعظم ذلك على ربه عز وجل (54) مجمع البيان ج 10ص 435. وكنز الدقائق ج 14. ص 132..

1- سبب النزول:

نقلت كتب الحديث والتفسير عند العامة الكثير من الروايات المبينة لسبب نزول هذه الآيات وقد اقتصرنا على واحدة هي من أجمع الروايات في الباب وأكثرها استيعاباً وتوضيحاً لما في الروايات الأخرى،وهي التالية:

روى الطبري بسنده إلى ابن عباس: قال بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وكان يتصدى لهم كثيراً ويحرص عليهم أن يؤمنوا،فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبد الله بن أم مكتوم،يمشي وهو يناجيهم،فجعل عبد الله يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن،وقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعبس في وجهه وتولى،وكره كلامه،وأقبل على الآخرين،فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ ينقلب إلى أهله،أمسك الله بعض بصره ثم خفق برأسه،ثم أنزل الله [عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى] فلما نزل فيه أكرمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكلمه،وقال له: ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ وإذا ذهب من عنده قال له هل لك حاجة في شيء،وذلك لما أنزل الله [أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى] (55) تفسير الطبري المجلد 12 ج 30 ص 33، وليلاحظ الدر المنثور ج8 ص 416..

أما كتب الإمامية فليس فيها سوى روايتين:

ففي تفسير علي بن إبراهيم القمي: قال: نزلت في عثمان وابن أم مكتوم،وكان ابن أم مكتوم مؤذناً لرسول الله (صلى الله عليه وآله)،وكان أعمى،فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده أصحابه وعثمان عنده فقدمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عثمان،فعبس عثمان وجهه وتولى عنه،فأنزل الله: [عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى] أي يكون طاهراً زكياً،أو يذّكر،قال: يذكره رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتنفعه الذكرى.

ثم خاطب عثمان فقال: [أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى] قال: أنت إذا جاءك غني تتصدى له وترفعه وما عليك ألا يزكى،أي لا تبالي زكياً كان أو غير زكي إذا كان غنياً،وأما من جاءك يسعى،يعنى ابن أم مكتوم،[أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى] أي تلهو ولا تلتفت إليه (56) تفسير القمي ج2 ص430، ونور الثقلين ج5 ص 508، والبرهان ج4ص 427. وكنز الدقائق ج14. ص 132كل ذلك عنه..

والرواية الأخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام): أنها نزلت في رجل من نبي أمية كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) فجاءه ابن أم مكتوم،فلما رآه تقذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه،حكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه (57) مجمع البيان ج10 ص 437 والبرهان ج4 ص 428. عنه..

2- معاني الآيات في كلمات المفسرين:

قال الله تعالى: [عَبَسَ وَتَوَلَّى] معناه قبض وجهه،وأعرض به،فالعبوس تقبض الوجه عن تكرُّه،والعبوس هو البسور وهو التقطيب وعبس فلان في وجه فلان مثل كلح (58) لاحظ التبيات ج10 ص 268 ومجمع البيان ج10. ص 438. وقيل: قطب وجهه من ضيق الصدر (59) تفسير المراغي ج 30ص 38..

[أَنْ جَاءهُ الأعْمَى] أي عبس لأن جاءه الأعمى (60) لاحظ التبيان ج 10 ص 268 ومجمع البيان ج10 ص 438.. [وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى] خطاب للعابس،ومعناه: وما يعلمك لعله يتزكّى بالعمل الصالح على يديك لو كان العابس رسول الله،أو على يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو كان العابس غيره. (61) المصدر السابق. وفي تفسير القمي: أي يكون طاهراً أزكى. (62) تفسير القمي ج2 ص431. ويحتمل تقدير (قل): فيكون قل وما يدريك لعله يتزكى. (63) التبيان ج10 ص269. [أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى] في دينه،أي يتذكر فيتعظ بما يعلمه من مواعظ القرآن وأوامره تعالى،ويفكر فيما أمر بالفكر فيه (64) المصدر السابق.. قال تعالى:  [وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ] (65) سورة الذاريات الآية 55.. وقال تعالى: [إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ] (66) سورة الرمز الآية 9..

[أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى] أي من كان عظيماً في قومه واستغنى بالمال عن الإيمان والقرآن (67) لاحظ مجمع البيان ج10 ص 438 والتفسير الكبير ج31 ص56. وقيل: ومعناه: أما من كان غنياً أو وجدته موسراً (68) التبيان ج10 ص 270.. قال تعالى: [إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى] (69) سورة العلق الآية 7. [فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى] أي تتعرض له وتقبل عليه بوجهك (70) مجمع البيان ج10 ص 438 والتفسير الكبير ج 31 ص 56 والكشاف ج4 ص 570. [وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى] خطاب للعباس على وجه (71) التفسير الكبير ج31 ص 56 وتفسير المراغى ج 20، ص40. وللنبي صلى الله عليه وآله على وجهٍ آخر،بتقدير قل يا محمد: [وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى] (72) التبيان ج10 ص 270.. والتزكّي هو التطهُر من الذنوب،وأصله الزكاء وهو النماء،فلما كان الخير ينمي للإنسان بالتطهر من الذنوب كان تزكياً (73) المصدر السابق.

[وَأَمَّا مَنْ جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى] أي يسعى في الخير وهو يخشى الله (74) مجمع البيان ج10 ص 428. أو يخشى معصية الله والكفر (75) التبيان ج10 ص 270.. قال تعالى: [مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى] (76) سورة طه الآية 3.،وقال تعالى: [سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى] (77) سورة الأعلى الآية 10. وقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ] (78) سورة المؤمنون الآية 56 إلى 60. والخشية هنا بمعنى الحذر عن مقارفة المعصية خوفاً من عقاب الله تعالى (79) التبيان ج10 ص 270..

[فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى]. التلهّي عن الشيء هو التروح بالإعراض عنه والمعنى (80) المصدر السابق.. فأنت تتغافل وتشتغل عنه بغيره (81) مجمع البيان ج10 ص 438..

(كلا) أي لا تعد لذلك وانزجر (82) المصدر السابق.. أو ليس الأمر ينبغي أن يكون على ذلك (83) التبيان ج10 ص 270..

وقيل: قوله كلا دال على أنه ليس له أن يفعل ذلك في ما يستأنف فأما الماضي فلا يدل على أنه معصية لأنه لم يتقدم النهي عنه (84) التبيان ج10 ص 271. ومجمع البيان ج10 ص437. [إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ] أي إن آيات القرآن أو السورة تذكير وموعظة للخلق (85) مجمع البيان ج10 ص 271ومجمع البيان ج10 ص 437..

3- بلاغة الآيات في كلمات المفسرين:

ذكر كثير من المتعرضين لتفسير هذه الآيات وجوهاً بلاغية قالوا إنها ترتفع إلى المستوى الإعجازي لبلاغة القرآن الكريم فقد قالوا: إن في هذه الآيات التفاتاً من الغيبة في قوله تعالى: [عَبَسَ] إلى الخطاب في قوله تعالى: [أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى]،كما هو الحال في سورة الفاتحة حيث بدأ بالغيبة [الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ثم ثنى بالخطاب فقال تعالى: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] (86) البيان في تفسير القرآن ص 459..

قال في الكشاف: إن في الأخبار عما فرط منه ثم الإقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الإنكار (87) الكشاف ج4 ص701..

وزاد النيسابوري في تفسيره: كمن يشكو جانياً بطريق الغيبة وهو حاضر ثم يقبل على الجاني مواجهاً بالتوبيخ (88) تفسير النيسابوري المطبوع في هامش تفسير الطبري المجلد 12، ج30، ص29..

وقيل: التفت سبحانه إلى خطاب نبيه لأن المشافهة أدخل في العتاب،بمعنى أي شيء يجعلك دارياً وعالماً بحاله ويطلعك على باطن أمره حتى تعرض عنه (89) فتح القدير ج5، ص382، روح البيان ج10 ص 331 وليلاحظ مجمع البيان ج10 ص 438..

وقال في الميزان: وقيل - بناءً على كون المراد بالمعاتب هو النبي (صلى الله عليه وآله) -: أن في التعبير عنه أولاً بضمير الغيبة إجلالاً له لإيهام أن من صدر عنه العبوس والتولّي غيره (صلى الله عليه وآله)،لأنه لا يصدر مثله عن مثله،[والتعبير] ثانياً بضمير الخطاب إجلالاً له أيضاً لما فيه من الإيناس بعد الإيحاش والإقبال بعد الإعراض.

قال رحمة الله: وفيه أنه لا يلائمه الخطاب في قوله بعد: أما من استغنى فأنت له تصدى الخ. والعتاب والتوبيخ فيه أشد مما في قوله تعالى: عبس وتولى،ولا إيناس فيه قطعاً (100) الميزان ج20 ص200.. والتعبير بالأعمى لزيادة الإنكار (101) البيضاوي ج5 ص 173. روح البيان ج10 ص331، لاحظ الميزان ج20 ص200..

وقيل: للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) والدلالة على أنه أحق بالرأفة والرفق (102) نفس المصدر السابق.

وقال في الكشاف أيضاً: كأنه يقول: قد استحق عنده العبوس والإعراض عنه لأنه أعمى،وكان يجب أن يزيده لعماه تعطفاً وترؤفاً وتقريباً وترحيباً،ولقد تأدّب الناس بأدب الله في هذا تأدباً حسناً (103) الكشاف ج4 ص701 وليلاحظ محاسن التأويل للقاسمي ج17 ص258 رورح البيان ج10 ص 331..

وفي تفسير المراغي: وقيل في معناه: إنه بسبب عماه كان يستحق مزيد الرفق والرأفة،فكيف يليق بك أن تخصه بالغلظة،وهذا كما تقول لرجلٍ جاءه فقير فانتهره وآذاه أتؤذي هذا المسكين الذي يستحق الشفقة ومزيد الحنان والعطف (104) تفسير المراغي ج30 ص 40..

قال في الميزان: وفي التعبير عن الجائي بالأعمى مزيد توبيخ لما أن المحتاج الساعي في حاجته إذا كان أعمى فاقداً للبصر،وكانت حاجته في دينه دعته إلى السعي فيها خشية الله كان من الحري أن يرحم ويخص بمزيد الإقبال والتعطف،لا أن ينقبض ويعرض عنه (105) الميزان ج20 ص 200..

وقيل أيضاً: إن في قوله تعالى: [فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى],[فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى] اختصاصاً،ومعناه إنكار التلهّي عليه،أي مثلك خصوصاً لا ينبغي له أن يتصدى للغني ويتلهّى عن الفقير (106) روح المعاني ج30 ص 41 تفسير النيسابوري المجلد 12 ج30 ص 27، روح البيان ج10 ص331 الكشاف مع هامشه ج4 ص 702 وفتح القدير ج5 ص 382..

وقيل في كلمة الترجي (لعل): إنها باعتبار من وجّه الخطاب إليه للتنبيه على أن الإعراض عنه مع كونه مرجو التزكي مما لا يجوز (107) فتح القدير ج5 ص 382. وقيل في التعبير بتتلهى،بمعنى تتغافل،دلالة على الاستزادة في الأمر (108) تفسير المراغي ج30 ص 41.،وهو التوغّل في التشاغل والإعراض الذي عوتب عليه. ثم إن في إشهار الخطاب دلالة على شدة العتاب (109) روح البيان ج10 ص 331..

قال في الميزان أيضاً: وفي الآيات الأربع عتاب شديد ويزيد شدة بإتيان الآيتين الأوليين في سياق الغيبة لما فيه من الإعراض عن المشافهة والدلالة على تشديد الإنكار،وإتيان الآيتين الأخيرتين في سياق الخطاب لما فيه من شديد التوبيخ وإلزام الحجة بسبب المواجهة بعد الإعراض والتقريع من غير واسطة (110) تفسير الميزان ج20 ص 200..

يضاف إلى ذلك قوله تعالى: [كَلاَ] الذي فسره - كل من رأيته تعرّض لتفسيرها - بالزجر والنهي ولزوم الانتهاء عما سلف منه وقال في النهاية: إنها آكد في النفي والردع من كلا (111) النهاية ج4 ص199. وكأنه لم يكتف تعالى بهذا العقاب حتى زاد النهي تشديداً في الإنكار (112) علم اليقين في أصول الدين ج1 ص 456..

وهذا كله إنما يدل على شدة في العتاب منه تعالى،مع زيادة في القسوة،وإيغال في النكير،وحدّة في التوبيخ والتقريع في حق العابس،بسبب إيذائه الأعمى،والتغليظ عليه،والإعراض عنه،والعبوس في وجهه،والتلهّي والتشاغل عنه لعماه،لأجل التصدّي لغيره لغناه،وغير هذا،مما لا يصدر مثله عن مثله (صلى الله عليه وآله)،حتى استدعى منه تعالى أن يتكلم بلسان الغيبة إيهاماً لعدم صدوره منه لفظاعته،بل لم يكتف بهذا حتى أشهر عتابه - وفي التعبير بالعتاب نوع تلطّف وتخفيف - في عمل هو أقرب إلى التشهير منه إلى التربية والتعليم.

فهل كل هذا مع غيره مما يجيء إن شاء الله تعالى لائق بالنبي المعصوم بل بسيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم وأفضل خلقه تعالى على الإطلاق (113) تفسير القرآن العظيم ج4 ص 472.؟!

4- عام لروايات سبب النزول:

اتفقت الروايات الواردة في سبب نزول هذه الآيات على أن المراد بالأعمى فيها هو ابن أم مكتوم الصحابي المعروف،واتفقت أيضاً على أنه (صلى الله عليه وآله) كان حاضراً في تلك الواقعة،بينما أجمعت روايات أهل السنة - فيما عثرنا عليه - على أن الذي عبس وتولّى هو نفس النبي (صلى الله عليه وآله) وخالفهم الإمامية في ذلك عملاً بما رووا،حيث دلت رواية على أن الذي عبس هو رجل من بني أمية،ودلت الأخرى على أنه عثمان.

واختلفت الروايات أهل السنة مع الإمامية من جهة،وفيما بينهم من جهة أخرى،فيمن كان حاضراً عند النبي (صلى الله عليه وآله) حين حدوث العبوس،ففي روايتي أهل البيت (عليهم السلام) أنه كان عنده أصحابه وفي بعض روايات غيرهم أنه كان جماعة من صناديد قريش. وفي البعض الآخر رجل من عظماء قريش وغير ذلك فيما يأتي من الروايات التي يتطرق إلى ذهن الناظر فيها جمله من الأسئلة حول المقصود بالأعمى؟ وهل كان النبي (صلى الله عليه وآله) حاضراً آنذاك؟ ومن الذي عبس وتولى؟ هل صحيح أنه النبي (صلى الله عليه وآله)؟ ومن كان حاضراً حين العبوس؟.

لكن ليس بإمكان هذه الروايات الإجابة على كل هذه الأسئلة بشكل يقطع الطريق على شكٍ وريب تثيره في وجه السبب الذي تبديه لنزول هذه الآيات؛ لشدة اختلافها واضطرابها،مما يوهن الاعتماد عليها لا سيما مع معارضتها بما روته الرواة عن أهل البيت (عليهم السلام) ففيما يدل على أن المراد بالأعمى هو ابن أم مكتوم وأنه إجماع فقد قال ابن كثير: ذكر عروة بن الزبير ومجاهد وأبو مالك وقتادة والضحّاك وابن زيد وغير واحد من السلف والخلف أنها نزلت في ابن أم مكتوم (114) التسهيل ص 178..

وفي التسهيل (115) البيضاوي ج5 ص 173. وغيره من التفاسير المذكورة في الهامش فراجع. وتفسير البيضاوى (116) التفسير الكبير ج16 ص55. أنه هو أيضاً.

وقال الفخر الرازي: أجمع المفسّرين على أن الأعمى هو ابن أم مكتوم (117) التبيان ج10 ص 270. وفي التبيان (118) مجمع البيان ج10 ص 437. ومجمع البيان (119) تفسير علي بن أبراهيم القمي ج2 ص 430. وتفسير القمي (120) تفسير الصافي ج5 ص 284. وتفسير الميزان ج20 ص 199، وراجع تفسير البرهان ج4 ص 427 وتفسير نور الثقلين ج5 ص 508. وتفسير كنز الدقائق ج 14ص 132و133. وغيرها (121) الفخر الرازي ج16 ص55. وفتح القدير ج5 ص382 والنيسابوري في هامش الطبري المجلد12 ج30 ص25. من التفاسير أيضاً أنه ابن أم مكتوم.

وأما فيما يتعلق بالعابس،فقد أجمع أهل السّنة على أن المراد به رسول الله (صلى الله عليه وآله)،ورووا في ذلك روايات،وقد نقل إجماعهم هذا جماعة،منهم الفخر الرازي في تفسيره (122) التبيان ج10 ص268. وفي التبيان: أنهم اختلفوا في من وصفه الله تعالى بذلك،فقال كثير من المفسرين وأهل الحشو: إن المراد به هو النبي (صلى الله عليه وآله) (123) مجمع البيان ج10 ص 437..

وفي مجمع البيان: نسب ذلك إلى القيل ولم يتبناه،ثم تعرض بعد ذلك إلى توجيه على فرض صحة الرواية الدالة عليه (124) تفسير البرهان ج4 ص427 ـ 428، كنز الدقائق ج14 ص 133..

أما فيما يتعلق بمن كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) حين حدوث سبب النزول،ففي روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنه كان عنده أصحابه وعثمان،وفي بعضها لم يذكر أكثر من أن رجلاً من بني أمية هو الذي نزلت فيه الآيات (125) لاحظ الدر المنثور ج8 ص 415إلى 133..

أما روايات أهل السنة فمع اتفاقها وإجماع مفسريهم على أن العابس هو النبي (صلى الله عليه وآله) وأن الأعمى هو ابن أم مكتوم كما عرفت فقد اختلفت فيما بينها فيمن كان عنده (صلى الله عليه وآله) آنذاك.

ففي الدر المنثور (126) تفسير الطبري المجلد 12 ج30 ص 32.: في رواية عن عائشة: أنه كان عنده رجل من عظماء قريش،وفي أخرى عنها: أنه كان عنده وجوه من قريش منهم أبو جهل بن هشام،وعتبة بن ربيعة،وفي ثالثة عن مسروق عنها: أنه كان عنده عتبة وشيبة،وفي رواية عن أنس: أنه كان يكلم أبي بن خلف.

وفي خامسة عن ابن عباس: أنه كان يناجي عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب،وأبا جهل بن هشام،وفي سادسة عن أبي مالك: أنه كان يتصدّى لأمية بن خلف،وفي سابعة عن مجاهد: أن من استغنى هو عتبة بن ربيعة،وأمية بن خلف.

وفي ثامنة عنه أيضاً: أنه كان (صلى الله عليه وآله) مستخلياً بصنديد من صناديد قريش.

وفي تاسعة عن الضحاك: لقي رجلاً من أشراف قريش.

وروايات الطبري في تفسيره أيضاً مختلفة.

ففي واحدة: أنه عتبة وأبو جهل،وفي أخرى: أمية بن خلف فقط،وفي ثالثة أبي بن خلف،وفي رابعة: رجل كثير المال،وفي خامسة: أنها نزلت في العباس،وفي سادسة: ذكرت عتبة وشيبة ابني ربيعة (127) تفسير ابن كثير ج 4 ص 471 ـ 472.

واختلف نقل ابن كثير أيضاً،ففي رواية أنس أنه ابن خلف،وفي رواية عائشة عظماء المشركين،ومثلها رواية أخرى أسندت إلى عروة بدل عائشة،وفي رواية ابن عباس. ذكر عتبة،وأبا جهل بن هشام،والعباس بن عبد المطلب (128) تفسير النيسابوري الطبوع في هامش تفسير الطبري المجلد 10ج 30 ص 254. وما بعدها. وذكر تفسير النيسابوري عتبة وشيبة ابني ربيعة،وأبا جهل بن هشام،والعباس بن عبد المطلب (129) الفصل ج4 ص 47 وتفسير القاسمي المجلد 7ج 17، ص 259 عنه..

وفي الفصل: أنه عظيم من المشركين على رواية وفي غيرها من الروايات جماعة (130) التسهيل ص 178..

وفي التسهيل: قيل: هو الوليد بن المغيرة،وقيل: عتبة بن ربيعة،وقيل: أمية بن خلف،وقال ابن عباس: كانوا جماعة (131) تفسير القرطبي ج19 ص 212ـ313.،وفي تفسير القرطبي: روى أهل التفسير أجمع أن قوماً من أشراف قريش.. وفيه أيضاً في كلام آخر له: رجل من عظماء قريش.. ونسب إلى المالكية: أنه الوليد بن المغيرة،ثم قال: قال قتادة: هو أمية بن خلف،وعنه أنه أبي بن خلف.

وقال مجاهد: كانوا ثلاثة،عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبي بن خلف وقال عطاء: عتبة بن ربيعة.

وعن سفيان الثوري: كان النبي (صلى الله عليه وآله) مع عمه العباس (132) الكشاف ج4 ص 700. وفي الكشاف كان عنده صناديد قريش،عتبة وشيبة ابنا ربيعة،وأبو جهل بن هشام،والعباس بن عبد المطلب،وأمية بن خلف،والوليد بن المغيرة (133) الهدى إلى ديت المصطفى ج1 ص 158ـ159، والصحيح من السيرة ج3 ص 157ـ158..

هذا وجميع المصادر المتقدمة للفريقين برواياتها وآراء مفسريها متفقة على أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان حاضراً حين حدوث سبب النزول.

واختلاف هذه الروايات فيما بينها واضح جداً،ونظرة فاحصة لروايات عائشة وأنس ومجاهد تنبئك عن اضطرابها الشديد واختلافها،حيث نقلت الحادثة عن الراوي الواحد بعدة كيفيات كما اتفق في رواية مجاهد وعائشة مع تعارض هذه الروايات فيما بينها،وتعارضها مع باقي الروايات لاسيما اللتان وردتا من طرق أهل البيت (عليهم السلام) وهما غير متعارضتين وغير مضطربتين.

هذا ويضاف إلى ما ذكر: انقطاع أكثر هذه الروايات،لصغر كل من عائشة وابن عباس وأنس وكون الباقين من التابعين مع احتمال عدم كونهم أو بعضهم من المخلوقين آنذاك (134) جامع الأحكام ج19 ص 212. مضافاً إلى وصف بعض هذه الأخبار بالغرابة (135) جامع أحكام القرآن ج19 ص 212..

وفي الجامع للقرطبي: وهذا كله باطل وجهل من المفسرين الذين لم يتحققوا الدين،ذلك أن أمية بن خلف والوليد كانا بمكة وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما ولا حضرا معه إلى آخر ما قال (136) روح المعاني ج30 ص 38..

نعم نسبه في روح المعاني إلى الوهم (137) من وحي القرآن ج24 ص 65..

وفي الجامع أيضاً: وقال (صلى الله عليه وآله) في نفسه: إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد فأعرض عنه. 

قال صاحب كتاب من وحي القرآن: ثم.. إن النبي (صلى الله عليه وآله) وهو الأوعى والأعرف بالقيمة الروحية التي يمثلها الإسلام في تقييم الأشخاص على أساس التقوى التي تجمع الإيمان والعمل،فلا يجوز أن ينسب إليه،احتقاره للمؤمنين في مسألة الإنتماء إلى مجتمع الدعوة التابع له،وهل كان النبي (صلى الله عليه وآله) يجتمع بالمؤمنين سراً،ليدفع عنه هذا الانطباع،حتى يكون مجيء الأعمى إلى مجلسه مفاجأة له (138) روح البيان ج10 ص331..

أقول: وهو كلام سليم لكنه ذيَّله يقوله: «ونحن لا نريد أن نؤكد هذه الرواية أو نرفضها..» وهو عجيب بعد وضوح سقوط هذه الروايات لاشتمالها على ما لا يجوز نسيته إلى النبي (صلى الله عليه وآله).

5- فيما ورد الكثير بعد نزول الآيات: