عبس وتولى .. فيمن نزلت؟ 3
ــــــــــــــــــــــــــــــ
عبس وتولى فيمن نزلت؟
ــــــــــــــــــــــــــــــ
حقوق الطبع محفوظة
للمركز الإسلامي للدراسات
الطبعة الأولى
1417هـ ـ 1996م
http://www.alhadi.org/Data/books/Html/main_1/abasa_wa_tawala/abasa_wa_tawala.htm
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المركز الإسلامي للدراسات
عبس وتولى فيمن نزلت؟
رضوان شرارة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الفصل الثاني
والكلام فيه واقع في الأدلة التي يمكن أن يستدل بها على عدم صحة كون العابس هو النبي (صلى الله عليه وآله) من داخل الآية وخارجها من دون الاستعانة بروايات النزول. والبحث واقع في عدة جهات:
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الجهة الأولى:
إخباره تعالى بـ قوله: [عَبَسَ وَتَوَلَّى]،فإنه لا يتناسب مع شأن النبي الكريم (صلى الله عليه وآله)،إذ المعنى اللغوي للعبوس هو البسور والتكليح والتقطيب،وضدهما الطلاقة والبشاشة (147) النهاية ج3 ص171.
وفي النهاية الأثيرية: العابس: الكريه الملقى الجهم المحيا (148) النعجم المفهرس ص 445..
وقد وردت هذه المادة في الكتاب الكريم في موردين (149) سورة المدثر الآية 22 ـ 23. غير المورد الذي نحن بصدد بحثه:
الأول: قوله تعالى: [ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ] (150) سورة الإنسان الآية 10..
الثاني: قوله تعالى: [إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً] (151) سورة المدثر الآية 11 وليلاحظ التبيان ج10..
أما الآية الأولى: فقد ورد أنها نزلت في الكافر الذي وصفه تعالى بقوله: [ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً] (152) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 30 ص 198.،وفي التفسير الكبير: أجمعوا على أن المراد به الوليد بن المغيرة (153) الجامع لأحكام القرآن ج19 ص 75..
والقرطبي في هذا الموضوع فسر العبوس بما لا يتناسب مع شأنه (صلى الله عليه وآله) (154) مجمع اليبان ج10 ص408. فلاحظ.
وأما الآية الثانية: فقد ذكر في مجمع البيان أن العبوس هو المكفهر الذي تعبس فيه الوجوه،ووصف اليوم بالعبوس توسعاً لما فيه من الشدة وهذا كما يقال يوم صائم وليل قائم (155) تفسير الصافي ج5 ص285.
قال الشاعر:
قال السماء كئيبة وتجهما قلت ابتسم يكفي التجهم في السما
والغرض من هذا بيان المعنى الذي ينسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله)،ويوصف به ويدعى أنه أنزل في شأنه.
ونحن وإن كنا لا نمنع العبوس عنه مطلقاً ولو كان غضباً لله تعالى،لكن لما عاتب الله تعالى نبيه العابس بشدة وزجره وأنكر عليه،علم أن فعله هذا كان في غير محله،بالتالي يعلم أنه لم يكن صادراً منه،فإن سياق هذه المعاتبات - كما يقول العلامة المحقق الجامع بين العلوم الشرعية والعقلية الفيض الكاشاني رحمه الله - غير لائقٍ بمنصبه (صلى الله عليه وآله) كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام (156) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج3 ص158..
أما التولي فقد عرفت فيما تقدم عند تفسير الآيات أنه بمعنى الإعراض،وفرض إعراض النبي (صلى الله عليه وآله) عن الأعمى المقيل عليه ليس فيه مناسبة لشأنه (صلى الله عليه وآله) للزوم الإقبال على الجليس والسلام عليه والتحدث معه ببشر وطلاقة وجه وغير ذلك مما هو كثير وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن افتراض كون التولي عن الأعمى لغرض ديني راجح هو الجواب عن كون العبوس كذلك فلا تغفل.
الجهة الثانية:
وصفه تعالى للعابس بأنه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن من يخشى من الفقراء وهذا الفعل ظاهر في قدر ٍمن القبح لا ريب فيه،ووجه الظهور تعليق هذا الفعل،وهو التصدّي أو التلهّي،على وصفٍ هو الغنى في الأول والخشية في الثاني.
ومن الواضح ظهور الكلام في كون التصدّي للمستغني لأجل استغنائه والتلهّي عن الفقير لأجل فقره.
بل في كتاب الصحيح من السيرة: إن في قوله تعالى: [فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى]،وقوله تعالى: [فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى]،دلالة على أن المعني بهذه الآيات كان من دأبه العمل على التصدي للأغنياء،والاهتمام بهم لغناهم ولو كانوا كافرين،والتلهي عن الفقراء والتشاغل عنهم والإعراض ولو كانوا مؤمنين (157) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج3، ص158. انتهى.
وهذا مما لا يصح أن يوصف به أهل التقى والورع فضلاً عن المعصومين لاسيما مقدمهم وخاتم النبيين محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) لكونه منفراً وهو منزه عنه. ولعدم شباهته بأخلاقه وسعة صدره،وقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله): إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوها بحسن أخلاقكم (158) وسائل الشيعة ـ كتاب الحج ـ باب 107 من أبواب العشرة ـ ج8، وليلاحظ تفسير أبو الفتوح الرازي ج11 ص394.،وغير ذلك مما هو كثير لا يسع المجال ذكره.
ولعل المراد مما ذكره من الدلالة: أن الآيات تعطي أن العابس كان على صفة التصدي للغني والتلهي عن الفقير كما هو الحال في قوله تعالى: [يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ] (159) سورة الإنسان الآية 7. بضميمة الاختصاص الحاصل من تقديم كل من الضمير والجار والمجرور.
واحتمل البعض: أن يكون المراد من الآية بدلالة كل من الظهور والسياق التعيير والنكير على العابس ولو لم يكن الفعل صادراً منه لأكثر من مرة وهذا واضح لمن راجع الاستعمالات العرفية ولا فرق بين الوجهين فيما نحن بصدده لكن الأول أرجح.
الجهة الثالثة:
قوله تعالى: [وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى]،هو من جملة ما يدل على أن هذه الآيات لم تنزل في شأن النبي (صلى الله عليه وآله)،وكيف يقول الله تعالى لنبيه: وما عليك ألا يزكى،والحال أنه (صلى الله عليه وآله) مبعوث لدعوة الخلق وتنبيههم وتزكيتهم وتعليمهم؟! قال الله تعالى: [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ] (160) سورة الجمعة الآية 2.
وكيف لا يكون تزكيتهم عليه وقد أرسل لذلك الغرض وكيف لا يهمه ذلك وقد بذل عمره الشريف في هذا الشأن،وكأن هذا القول - لو بني على صحة النزول في شأن النبي (صلى الله عليه وآله) - إغراء بترك الحرص على إيمان قومه! (161) تنزيه الأنبياء ص119.
وصدور هذا الإغراء منه تعالى ونسبته إليه قبيح وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله) تدل على حرصه الشديد على قومه،قال تعالى: [فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ] (162) سورة فاطر الآية 8. وقال تعالى أيضاً: [فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً] (163) سورة الكهف الآية 6..
وأيضاً: [لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] (164) سورة الشعراء الآية 3.. هذا ولسان حاله [يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ] (165) سورة يسن. وقال (صلى الله عليه وآله): «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (166) البحار ج95 ص167..
الجهة الرابعة:
قوله تعالى: [كَلاَ] إنها تذكرة،فقد ذكر أهل اللغة أن كلا للزجر والنهي تارة،وبمعنى حقاً تارة أخرى (167) لاحظ لسان العرب كلمة كلا.،وفي النهاية: معناها ردع وتنبيه وزجر أي انته لا تفعل،إلا أنها أكد في النفي والردع من لا لزيادة الكاف (168) النهاية ج4 ص199..
وقد وردت في سورة عبس في موضعين أحدهما بالمعنى الأول وهو قوله تعالى: [كَلاَ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ] (169) سورة عبس الآية 11..
والآخر بالمعنى الثاني وهو قوله تعالى: [كَلاَ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ] (170) سورة عبس الآية 23. أما المورد الأول وهو موضع البحث فإني لم أر من جعلها بغير معنى الزجر وكأنها بهذا المعنى تسليم بينهم،ووجه دلالتها على عدم صحة النسبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) تقدم الأخبار بصدور العبوس والتولي،مع ما في هذا الأخبار من اللوم والتوبيخ وغير ذلك مشدداً في النهي وكأن النهي كان بحيث لم يكن يكفي معه التقريع السابق.
هذا مع أن النبي (صلى الله عليه وآله) كانت تكفيه الإشارة ولم يكن بحاجة إلى كل هذا،فلم هذا الإصرار على الزجر والتوبيخ لو لم يكن العابس هو غيره (صلى الله عليه وآله)؟! فما أبعد ما بين هذا الزجر مع ما يصاحبه من اللوم والتقريع وبين شأنه،اللائق به صلى الله عليه وآله.
ولعل النظر في استعمالات هذه الكلمة الكثيرة والواردة في القرآن بمعنى الزجر يجعلك أكثر أنساً بما ذكرنا فلاحظ الآيات التالية:
1- [كَلاَ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً] (171) سورة مريم الآية 79..
2- [قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا] (172) سورة المؤمنون الآية 100..
3- [كَلاَ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى] (173) سورة المعارج الآية 15..
4- [كَلاَ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً] (174) سورة المدثر الآية 16..
5- [كَلاَ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ] (175) سورة الانفطار الآية 9..
6- [كَلاَ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى] (176) سورة العلق الآية 6..
وغير ذلك كثير فراجع
الجهة الخامسة:
إن تشديد النكير وإعلان العقاب كما عرفت لا يتلاءم مع كون الفعل المعاتب عليه مباحاً،فضلاً عن كونه قد صدر عن فاعله لمصلحة دينية،كما هو شأن النبي،إذ لو كان الفعل كذلك لوجب إطراء فاعله ومدحه والثناء عليه وحق له عندئذ أن يمجده تعالى ويعلي ذكره في كتابة الكريم لأنه لم يرد سوى الخير والصلاح في الدين،ولا أقل من أن يتحبب الله تعالى إلى فاعله على طريقه: [عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ] (177) سورة التوبة الآية 43
لكن الذي رأيناه منه تعالى في هذه السورة هو خلاف ذلك حيث الإنكار والتوبيخ والتقريع وغيره مما تقدم أمام ناظريك،وقد تقدم أيضاً بعض ما روي في ما خلَّفه - بزعمهم - نزول هذه الآيات في نفسه الشريفة (صلى الله عليه وآله) حتى قال القائل - كما يروون - ما اغتم لأمر كما اغتم لأمر هذه الآيات،فراجع.
وعلى هذا فإن القول بأنه (صلى الله عليه وآله) إنما فعل ذلك بدافع الحرص على المشركين أن يؤمنوا راجياً إسلامهم استناداً إلى بعض الروايات المتقدمة،كاد أن يخرج مخرج التوسل إلى الواجب بأمر محرم،مع عدم إحراز كون المتوسل إليه وهو الواجب أكثر أهمية من المتوسل به وهو المحرم كما هو الشرط في أمثال هذه المقامات.
إن قلت: لم يكن الأمر كما توهم لكن كان مجرد ترجيح لأمر واجب وهو الدعوة إليه تعالى والتبليغ لدينه على واجب آخر،وهو تعليم الجاهل وجواب مسألته الدينية،فعاقبه الله تعالى لذلك. أو تقول كما قال النيسابوري في تفسيره الإرشاد والتعليم بالنسبة إلى هذا الأعمى أمر معلوم وبالنسبة إلى أولئك أمر موهوم لأنه جاء مسترشداً وهم جاءوه مستهزئين معاندين،وترك المعلوم للموهوم خارج عن محل الاحتياط (178) تفسير غرائب القرآن المطبوع في هامش جامع البيان للطبري المجلد 12 ج30 ص26..
والجواب:
أولاً: لا نسلم أن ما فعله (صلى الله عليه وآله) كان مرجوحاً أو موهوباً فلا محل للعتاب حينئذ. وقد صرح الفخر الرازي في تفسيره بأن الأهم هو ما فعله (صلى الله عليه وآله) والمهم هو الذي تركه (179) التفسير الكبير ج31 ص54..
ثانياً: لو كانت القضية لا تعدو ما ذكرت من كونها ترجيحاً لواجب على واجب آخر،فالسؤال متوجه نحو ماهية هذين الواجبين اللذين رجح النبي (صلى الله عليه وآله) أحدهما ففعله وترك الآخر؟
ثم لماذا عوتب على فعل الراجح وترك المرجوح؟
أم أنه رجح المرجوح وترك الراجح فحسب - خطاً - أن إيمان القوم المشركين أكثر نفعاً من إيمان هذا الأعمى،فوجبت معاتبته ولزم الإنكار عليه؟
ثم هل كان هذا المرجح عند هذا التزاحم شرعياً فلم يعرفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع كونه هو المبلغ لأحكام دين الله تعالى؟
أم كان المرجح عقلياً لكنه مع كمال عقله (صلى الله عليه وآله) حتى فاق جميع الخلق لم يبلغه؟ أم أنه بلغه لكن لم يعمل به،بل اختار - كما في بعض التفاسير - ما كان الاستغراق فيه مضيعة للوقت. وتفويتاً لفرصة مهمة وهي تنمية معرفة هذا المؤمن الأعمى؟ (180) من وحي القرآن ج24 ص 67و76. وليلاحظ روح البيان ج10 ص 333.
وهل يصح نسبة ما يلزم منه رمي النبي بالجهل بأحكام العقل أو الدين؟ وهل يمكن أن يصدر عنه (صلى الله عليه وآله) ترجيح المرجوح وترك الراجح؟
هذه لوازم تلزم هذا القول لست أدري كيف يسع القائل به أن يجيب عنها أو يفكك بين قوله وبينها.
إذ دعوى كون الاستغراق فيما صنعه تضييعاً للوقت عبارة أخرى عن رميه (صلى الله عليه وآله) بالجهل بأساليب الدعوة إلى الله تعالى،لأنه كان من اللازم عليه (صلى الله عليه وآله) اختيار ما فيه اغتنام الفرص والاستفادة منها على أكمل وجه دونه ما كان بخلاف ذلك.
علماً أن ترجيح المرجوح قبيح فيمتنع صدوره عن الحكيم مثله (صلى الله عليه وآله) ويلزم عليه مع عدم فعله المعصية لو كان عالماً بلزوم الترجيح وبوجود المرجح ولو لم يكن عالماً بأحدهما فاللازم حينئذٍ نقص معرفته (صلى الله عليه وآله) بالأحكام الشرعية أو الطعن عليه في ذكائه ورجحان عقله وحسن تدبيره والحال أنه قد شهد له أعداؤه فضلاً عن أوليائه بخلاف ذلك.
ولو التزم هذا القائل بترك الأولى - كما صنعه بعض مفسري العامة (181) لاحظ التفسير الكيبر ج31 ص 55 ورح البيان ج10 ص 332. ومحاسن التأويل ج7 ص 259. - لكان أقل إشكالاً وأخف محذوراً علماً أنه في نفسه أمر غير مقبول عند الأعيان المحققين من العلماء. خصوصاً إذا كان متعلقاً بالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) (182) مجموعة رسائل السبزواري ـ هداية الطالبين ص 240. كما تقدم الكلام فيه.
وبعد هذا كله: فهل يمكن أن يترك الله تعالى نبيه فريسة الخطأ والجهل ثم يستدرك ذلك ليعلمه ويربيه بعد وقوعه فيهما.
ثم لم يكتف تعالى بذلك بل أضاف إليه أن أعلن عتابه وإنكاره على الملأ وخلّده خلود الكتاب العزيز.
وهل يصح بعد ذلك أن يسمى كل هذا تأديباً حتى بقول القائل: كان في حجر تربية ربه لكونه حبيباً،فكلما ظهرت نفسه بصبغة حجبت عنه بؤر الحق عوتب وأدب كما قال: أدبني ربي فأحسن تأديبي،إلى أن تخلق بأخلاق الله تعالى (183) روح البيان ج10 ص 331..
وأما ما قيل: من أنه لا مانع من أن يربي الله رسوله تدريجياً،ويثبت قلبه بطريقة متحركة في حركة الدعوة تبعاً لحاجتها إلى ذلك (184) من وحي القرآن ج 24 ص 65.. فإن كان المراد منه التعليم والتأديب تدريجياً قبل صدور الخطأ والمعصية فهو في محله لكن لا يصح معه دعوى أنه قد رجح المرجوح على الراجح. وتشتد عندئذٍ الحاجة إلى الإجابة عن السؤال حول السبب الداعي إلى توجيه كل هذا اللوم والعتاب والزجر،بل وكل هذه القسوة على حد تعبير هذا القائل (185) المصدر السابق..
ولا ينبغي أن يكون من التدريج المذكور أنه لا مانع من الوقوع في الخطأ ثم تعليم الله تعالى له بعد ذلك لأنه منافٍ للعصمة حينئذٍ.
علماً أن ما ذكر هنا منافٍ لما ذكره في موضع آخر من أن الله تعالى لا يؤدب أنبياءه الذين لهم امتداد في حياة الأمة كلها بهذه الطريقة.
الجهة السادسة:
إن ظاهر الآيات غير دالٍ على أن المعني بها هو النبي (صلى الله عليه وآله)،وليس فيها ما يدل على أنه هو المخاطب فيها بل صدرها مجرد خبر لم يصرح فيه بالمخبر عنه بل نقول: إن في الآية ما يدل على أن المخاطب بها ليس هو النبي لما تقدم في الجهتين الأولى والثانية من عدم صحة وصفه (صلى الله عليه وآله) بالعبوس أو بالتصدي للأغنياء لغناهم والتلهي عن الفقراء لفقرهم.
قال الشريف المرتضى رحمه الله: ولم يرد أنه (صلى الله عليه وآله) كان كذلك،لا في القرآن ولا في خبر مع الأعداء المنابذين فضلاً عن المؤمنين (186) تنزيه الأنبياء ص 119.. بل تواترت الأخبار على أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان على خلاف ذلك مع أعدائه فضلاً عن أوليائه (187) تفسير أبو الفتوح الرازي ج11 ص 80..
الجهة السابعة:
إن التصرف المنسوب إليه (صلى الله عليه وآله) مخالف لحكم الشرع بالتسوية بين الناس كأسنان المشط وأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى (188) البحار ج75 ص251 وج 73 ص 350..
ومخالف أيضاً لحكم العقل بإناطة التفضيل بالإيمان والأعمال الصالحة كما هو مقتضى قوله تعالى: [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ] (189) سورة الحجرات الآية 13..
وعليه فلا يصح أن يدعى أنه أقدم على ما هو مخالف للعقل والشرع.
وقد يدعى أن مدلول الآيات يوحي بأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يستهدف من حديثه مع هؤلاء الصناديد تزكيتهم الفكرية والروحية والعملية بعيداً عن مسألة الاهتمام بالغني تعظيماً لغناه في الحصول على ماله (190) من وحي القرآن ج 24 ص 74..
لكن هذا خلاف الظاهر من هذه الآيات وبعيدٌ عن السياق الذي تجري فيه. كما أن قوله: بعيداً عن الاهتمام.. الخ،يعتبر تبرعاً في تبديل الحيثيات بلا دليل،حيث إن الظاهر أن التصدر للغني كان لأجل غناه كما صرّح به صاحب هذه الدعوى (191) المصدر السابق.. فجعله بعيداً عن مسألة الاهتمام بالغني بحاجة إلى دليل يدل عليه.
الجهة الثامنة:
إن القرينة العقلية المتصلة والواضحة التي يصح الاتكال عليها أثناء المخاطبة المؤيدة بالقطعي من حكم العقل والصريح من دلالة النقل المقطوع صدوره كالكتاب والسنة القطعية تمنع من انعقاد الظهور على خلافها،وفي المقام العصمة المعلومة والثابتة بالعقل والنقل القطعيين مانعة عن انعقاد أي ظهور للآيات على خلافها لكون العصمة من القرائن العقلية الواضحة التي يصح الاتكال عليها عند المحاورة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ

Wapher
del.icio.us

