عبس وتولى .. فيمن نزلت؟ 4
ــــــــــــــــــــــــــــــ
عبس وتولى فيمن نزلت؟
ــــــــــــــــــــــــــــــ
حقوق الطبع محفوظة
للمركز الإسلامي للدراسات
الطبعة الأولى
1417هـ ـ 1996م
http://www.alhadi.org/Data/books/Html/main_1/abasa_wa_tawala/abasa_wa_tawala.htm
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المركز الإسلامي للدراسات
عبس وتولى فيمن نزلت؟
رضوان شرارة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الفصل الثالث
والبحث فيه حول ما قيل أو يمكن أن يقال في الاستدلال على كون النبي (صلى الله عليه وآله) هو العابس والجواب عن ذلك. والكلام يقع في أمور:
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الأمر الأول:
إن عبوس النبي (صلى الله عليه وآله) إنما كان لله تعالى،غضباً أو تأديباً أو شفقةً،ولا ضير ولا قبح فيه فلا مانع من صدوره عنه (صلى الله عليه وآله) (192) التفسير الكيبر ج 31 ص 54 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 19 ص 213..
والجواب:
أما كون العبوس لله تعالى فهو باطل لتوبيخه وتقريعه وتشديده تعالى الإنكار على العابس مما يدل على أن هذا الفعل لم يكن لله فيه رضا فكيف ينسب إليه ويقال عبس (صلى الله عليه وآله) لله تعالى.
نعم لو احتملنا كون التوبيخ واللوم لا على العبوس بل على أمر آخر كفعل القلب مثلاً،كان لهذا الكلام مجال لكن هذا الأمر خطأ قطعاً ويأتي التعرض إليه.
ونعود لنقول: لو صح كونه لله تعالى كان اللازم مدح العابس وتوبيخ غيره لو كان ثمة حاجة للتوبيخ،لاسيما وأن الذي نراه في الآيات. هو العكس،إذ توجه إلى العابس بالتوبيخ واللوم وتلطف مع الأعمى بما قدمنا لك وجهه،ويكفيه ذكره تعالى له في كتابه متحنناً ومترحماً مصحوباً بمطالبة العابس بأداء حقه.
الأمر الثاني:
إن العبوس إنما كان للمضايقة ولم يكن للاحتقار فلا محذور فيه (193) من وحي القرآن ج 24 ص 66 ومجلة الموسم العددان 21ـ22 ص 295..
الجواب:
أولاً: إن العبوس والتولي لما لم يكن في محله كما كشف عن ذلك شدة اللوم والإنكار كما تقدم،فلا يفرق فيه من هذه الجهة بين كونه للمضايقة أو للاحتقار وإن كان الثاني أشد إيلاماً وإيذاءً من الأول.
ثانياً: منافاة العبوس ولو كان للاحتقار لخلقه (صلى الله عليه وآله) الذي نبه عليه قوله تعالى: [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] (194) سورة القلم الآية 4..
ثالثاً: منافاته لصريح الكتاب في قوله تعالى:
1- [وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ] (195) سورة أل عمران الآية 159..
2- [لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ] (196) سورة التوبة الآية 128..
3- [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (197) سورة الفتح الآية 29..
رابعاً: قول الإمام علي (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن الله ليبغض المعبس في وجه إخوانه (198) مستدرك الوسائل كتاب الحج باب 6 من أحكام العشرة نحديث 1..
وفي حديث في صفات المؤمن: هشاس بشاس لا بعباس ولا بخباس (199) المصدر السابق..
خامساً: إن سورة عبس قد نزلت أوائل الدعوة بعد سورة القلم (200) الصحيح ج 3 ص 159، وليلاحظ مجمع البيان ج10 ص 405 عند تفسير سورة الإنسان. مما يشير إلى أنه تعالى كان - مسبقاً - قد أخبر معلناً عن أخلاق نبيه العظيمة،بقوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]،وهذا النحو من الإخبار العلني الغيبي من قبل الله تعالى عن أخلاق وصفات هذا النبي (صلى الله عليه وآله) فيه من الإعجاز ما هو واضح مع كثرة محاولات أعدائه (صلى الله عليه وآله) الطعن عليه ولو وجدوا ثمة منفذ إلى ذلك لأعلنوا عنه،فلا أدري كيف يتجرّأ اتباعه على إلصاق هذه الأمور به (صلى الله عليه وآله).
قد يقال: لا نحرز ترتيب نزول السور على النحو الذي ذكرت فينتفي هذا الوجه.
والجواب: إن الخلق والعصمة ملكة لا تتخلف عن الفعل المناسب لها،ومع إحراز كون هذا العبوس قبيحاً بحكم العقل فلا يصح صدوره عن المعصوم فضلاً عن سيدهم.
فقبح الفعل مع العلم بهذا القبح وبعواقب ارتكابه يضاف إليه وجود الملكة المانعة عنه (صلى الله عليه وآله) تمنع صدور هذا الفعل ونظائره عن النبي (صلى الله عليه وآله) في بداية الدعوة ونهايتها بل وقبل الدعوة أيضاً.
سادساً: إن التضايق من الأعمى مع كونه معذوراً بسبب عماه ليس في مورده،والشاهد نزول القرآن بمطالبة العابس بأداء حق الأعمى إليه،سواء كان هذا العابس هو النبي (صلى الله عليه وآله)،أو غيره.
واللازم فيما نحن فيه إما أن يقال: ليس المعاتب هو النبي (صلى الله عليه وآله) أو يلتزم بتخطئة ابن أم مكتوم،فيلزم عليه:
أولاً: مخالفته الواضحة لظاهر الآيات.
وثانياً: لماذا عاتب الله تعالى نبيه والحال أن المخطئ هو غيره.
أويلتزم بأن النبي هو الذي أخطأ وهو كما تراه لا يمكن الالتزام به.
ويمكن أن يقال: إن ابن أم مكتوم لم يكن مسلماً آنذاك فلا محذور فيما فعله النبي (صلى الله عليه وآله) معه (201) التبيان ج10 ص 268..
والجواب: إن من المعلوم أن النبي (صلى الله عليه وآله) مرسل لهداية هؤلاء المشركين بل إلى الناس كافة وهو مأمور بالدعوة إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة (202) سورة النحل الآية 125.،فعبوسه في وجه المرسل إليهم لا سيما مع إقبالهم عليه نقض للغرض الذي أرسل لأجله ومن حيث كونه منفراً لهم عن ما يدعوهم إليه.
ولا يقدم على هذا،العاقل الحكيم لاسيما من كان كالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) (203) لاحظ الذخيرة للشريف المرتضى ج 191، ومقدمة تنزيه الأنبياء له أيضاً، وعلم اليقين للفيض الكاشاني ج1 ص 357..
ولو فرضنا أن الأعمى ارتكب خطأً في حقه (صلى الله عليه وآله) فلا يسوّغ ذلك لصاحب الرسالة أن يرتكب ما ينافي غرضه وهذا واضح.
الأمر الثالث:
إن المعبوس في وجهه كان أعمى وهو لا يتأثر بالعبوس فلا محذور أيضاً (204) مجمع البيان ج10 ص 427 والتفسير الأمثل ج19 ص 364 ومجلة الموسم العدد 21ـ 22 ص 295..
والجواب:
أولاً: إن العبوس إن كان لا يضر ابن أم مكتوم ولا يؤذيه لعدم تأثره بذلك لعماه،فإن في هذا الفعل نفسه منافاة لخلقه (صلى الله عليه وآله) العظيم ومعه فلا يصح صدور هذا الفعل عنه.
ثانياً: كيف لم يتأثر الأعمى وقد صرحت بعض الروايات (205) الدر المنثور ج8 ص 416. بأنه سأله فلم يجبه وكان يتحدث إلى غيره،فإن كان الأعمى لم يتأثر بالعبوس لأنه لا يرى لكنه أحس بأعراض النبي (صلى الله عليه وآله) عنه لأنه لم يجبه مع مقاطعته إياه فراجع.
ثالثاً: إن كان الأعمى لا يرى،فإن من كان من المشركين في حضرته (صلى الله عليه وآله) آنذاك يسمع ويرى وفي هذا الفعل أمامهم إخلال واضح بلزوم التمسك بالأخلاق الحسنة الكريمة والعالية التي أمر (صلى الله عليه وآله) بالتحلّي بها،وإرشاد الناس إليها،بقوله وفعله وسيرته.
رابعاً: لا يصح صدور هذا الفعل عن النبي (صلى الله عليه وآله) لما يعكسه في أذهان أعدائه من الجالسين بحضرته وغيرهم من آثار سلبية حول علاقة النبي (صلى الله عليه وآله) بأتباعه ومن حوله،لاسيما أن هذه الآيات مكية وسورتها من أوائل السور ونزولها كان في بدايات الدعوة (206) مجمع البيان ج10 ص 405 وص 425..
والغرض من جميع هذا أنه لا يكفي مجرد عمى الأعمى لتصحيح صدور العبوس أو التولي من النبي (صلى الله عليه وآله) أو غيره للعلة المذكورة.
الأمر الرابع:
إن الأعمى لم يراع آداب المجلس حيث قاطع النبي مراراً في مجلسه وهو يتكلم مع الآخرين (207) التفسير الكبير ج31 ص 45 وتفسير غرائب القرآن المجلد 12 ج30 ص 25 والتفسير الأمثل ج 19 ص 364 وليلاحظ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج19 ص 213..
والجواب:
أولاً: لا نسلم وجود رواية بهذا المضمون. بل هو انتزاع من بعضها.
ثانياً: سلمنا فلا نسلم صحة الاعتماد سنداً ومضموناً.
ثالثاً: سلّمنا صحة الاعتماد عليها لكن ما هو الوجه الداعي إلى العمل بها دون غيرها مما هو مختلف معها من الروايات لاسيما روايات أهل البيت (عليهم السلام).
رابعاً: لو كان الأعمى مسيئاً للأدب مع النبي (صلى الله عليه وآله) فلماذا نزل الوحي مناصراً له،وتوجه بالتوبيخ واللوم إلى العابس،من دون إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى خطأ الأعمى أو تقصيره بل ذكره تعالى في كتابه متلطفاً ومتحنناً مما يكشف عن عدم إساءة ابن أم مكتوم الأعمى.
خامساً: سلمنا كونه مسيئاً له (صلى الله عليه وآله)،فما كان ينبغي له (صلى الله عليه وآله) أن يعبس في وجهه ويتولى عنه وقد قال الله تعالى: [وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] (208) سورة الشراء الآية 214ـ 215..
وقد نزلت هذه الآية في أوائل الدعوة (209) الميزان ج20 ص 204..
وقال تعالى أيضاً: [لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ] (210) سورة الحجر الآية 88..
وقال تعالى: [وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ] (211) سورة الأنعام الآية 52..
وفي آية: [وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ] (212) سورة الشعراء الآية 114.. وفي أخرى: [وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا] (213) سورة هود الآية 29..
وقال تعالى: [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً] (214) سورة الكهف الآية 28..
وقال تعالى: [وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ] (215) سورة الأنعام الآية 54..
الأمر الخامس:
قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ] (216) سورة الحجرات الآية 4.. والنداء هنا كان كالصارف للكفار عن قبول الإيمان،وكالقاطع على الرسول أعظم مهماته فهو أولى،أن يكون ذنباً ومعصية (217) التفسير الكبير ج31 ص 54..
والجواب:
هو الجواب المذكور في الأمر الرابع، ونزيد هنا أننا نمنع الأولوية،لأن الأعمى لم يصرف الكفار عن النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يمنع الرسول (صلى الله عليه وآله) من أداء مهمته ولو فرضنا أنه قاطعه.. وتنزيله منزلته في قوله: كالصارف،وكالقاطع لا ينفع في تصحيح الأولوية.
ثم لو سلمنا أنه صرف الكفار عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وقاطعه لكنه محرم منفصل ومستقل عن حرمة النداء من وراء الحجرات،وهو إنما يكون كذلك مع تعمد ارتكابه دون قصور لجهل أو خطأ واحتمالها في حق الأعمى لا مجال لدفعه.
الأمر السادس:
إن ما جرى إنما كان اتكالاً منه (صلى الله عليه وآله) على ما بينه وبين الأعمى واعتماداً منه (صلى الله عليه وآله) على وحدة الحال ووثاقة الصلة وعمقها بين النبي (صلى الله عليه وآله) والأعمى بحيث لم تكن هذه العلاقة تخضع لحساب!! كعلاقة الرجل بأولاده. استناداً إلى أنه كان يدخل على النبي مع زوجاته،وإلى استخلافه (صلى الله عليه وآله) له في المدينة عند الخروج إلى الغزو (218) من وحي القرآن ج 24 ص 65ـ66 ومجلة الموسم العدد 21ـ22 ص 294ـ295، المسائل الفقهية ج2، فصل مسائل في العقيدة.. ويقرب منه ما في جامع الأحكام من أنه (صلى الله عليه وآله) إنما قصد تأليف المشرك ثقة بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الإيمان (219) جامع الأحكام ج19 ص 213..
والجواب:
إن الرواية التي استدل بها على المدعى إنما تدل على أن ابن أم مكتوم كان قد دخل على النبي وهو مع زوجاته،ولا دلالة فيها على أنه كان يدخل عليه (صلى الله عليه وآله) كذلك باستمرار،والرواية كما أوردها في الوسائل هي: استأذن ابن أم مكتوم على النبي (صلى الله عليه وآله) وعنده عائشة وحفصة فقال لهما قوما فادخلا البيت،فقالتا: أنه أعمى،فقال لهما: إن لم يكن يراكما فإنكما تريانه (220) الوسائل ـ كتاب النكاح ـ الباب 129 من أبواب مقدمات النكاح الحديث1 و4..
وفي رواية أخرى عن أم سلمة،قالت: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)،وعنده ميمونة،فأقبل ابن أم مكتوم،وذلك بعد أن أمر بالحجاب،فقال احتجبا،فقلنا: يا رسول الله،أليس أعمى لا بيصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟! (221) نفس المصدر السابق..
واشتهار أمر هذه الرواية لا يوجب دلالتها على أنه كان يدخل بيت النبي كذلك على نحو الاستمرار،إذ لا وجه ظاهر لتكرر هذا الأمر في حضوره (صلى الله عليه وآله) مع زوجاته وقد نهاهن عنه،والواقعة المروية قد تكون واحدة وقد تكون متعددة - وإن كنا نشك في ذلك - لكن لا ضير في هذا التكرار مع عدم اتحاد الزوجات لاحتمال - وإن كان بعيداً في نفسه - عدم بلوغ هذا الحكم زوجات النبي (صلى الله عليه وآله) اللاتي كنّ معه عند حدوث الحادثة لاحقاً ولم يكنّ عند حدوثها سابقاً.
نعم،نحن نستبعد بل نمنع - وكذا يمنع كل من تدبر هذه الرواية - تكررها مع الزوجة عينها،كما نمنع أن يكون ابن أم مكتوم قد فعل ذلك مراراً وأقره عليه،إلا أن يكون في ذلك حينئذٍ مغمز على ابن أم مكتوم،أو على صاحبة الفعل هذا من زوجاته،لتقدم نهيه (صلى الله عليه وآله) عن ذلك كما هو واضح.
علماً أنه قد روي عن فاطمة (عليها السلام) أنه استأذن عليها أعمى فحجبته،فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): لم حجبته وهو لا يراك؟ فقالت (عليها السلام) يا رسول الله،إن لم يكن يراني فأنا أراه وهو يشم الريح. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أشهد أنك بضعة مني (222) مستدرك وسائل الشيعة ـ كتاب النكاح ـ الباب 100 من أبواب مقدمات النكاح الجديث 1..
وهذا يدل على رغبته (صلى الله عليه وآله) باحتجاب أهل بيته ونسائه وهذا يمنع الاعتماد بإقراره للأعمى بالدخول عليه وهو مع نسائه كما ذكر المستدل.
وعلى كل حال فلا دلالة لهذا الحديث على ما ذكره من وحدة الحال ووثاقة الصلة. كما لا دلالة للروايات على قبول النبي لدخول الأعمى عليه مع نسائه بل هي على خلافه أدل.
وأما استخلافه (صلى الله عليه وآله) إياه على المدينة،فقد رواه الطبري وغيره،قال: واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين (223) جامع البيان المجلد 12ج 31 ص 33 وتفسير الكبير ج31 ص 54 وجامع القرطبي ج 19 ص 213 والدر المنثور ج8 ص 417..
أقول:
أولاً: ليس في الاستخلاف دلالة على هذه الصلة المدعاة،ولم يثبت أنه تكرر ذلك أكثر من مرتين،علماً أن كثرة الاستخلاف أيضاً لا تدل على المدعى،حيث إنه (صلى الله عليه وآله) ليس محكوماً في علاقاته التنظيمية والإدارية للعلاقات الشخصية بل للكفاءة واللياقة.
ثانياً: سلمنا عمق الصلة،لكن هذا لا يقتضي الاسترسال في الجانب الشخصي للعلاقة،الذي عبر عنه المستدل بوحدة الحال،لمخالفته للروايات المتكاثرة الآتية.
ثالثاً: يقول المستدل في غير موضوع إن العلاقة مع المعصومين هي من خلال الرسالة لا من خلال الأشخاص (224) مجلة الموسم، ص 312، ودعاء الأفتتاح ص 135.،وهذا يقتضي - لو سلمناه - أن يكون كذلك من الطرفين لا من طرف غير النبي (صلى الله عليه وآله) فقط،فعلى هذا علاقة النبي بنا فقط من خلال الرسالة وهو (صلى الله عليه وآله) ملتزم بأداب وأحكام العشرة الشرعية في سلوكه وتصرفاته مع ابن أم مكتوم وغيره من القريبين إليه والبعدين عنه (225) العلاقة مع النبي هي علاقة الرسالة التي جعل أجرها المودة في القربى، حيث قال تعالى: [قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] (الشورى/24) وعن الإمام الباقر (عليه السلام): أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم لا حظ مجمع البيان ج9 ص 28 والمودة هي الحب فب جميع مداخل الخير كما في لسان العرب فراجع..
رابعاً: لو تنزلنا عن ذلك كله،فهنا نتساءل: كيف أعمل النبي (صلى الله عليه وآله) وحدة الحال المزعومة هذه أمام الأجانب لاسيما إذا كانوا مشركين،مع أنه لا يصح إسقاط حق الطرف الآخر لمجرد وحدة الحال هذه من دون مراعاة مشاعره أمام الآخرين.
ففي الخبر: لا تضيعنّ حق أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه فإنه ليس لك بأخٍ من أضعت حقه (226) الوسئل ـ كتاب الحج ـ باب 122 من ابواب العشرة حديث12..
وقد وردت الروايات الكثيرة جداً والتي تأمر بلزوم المعاشرة على النحو الذي يبقى معه شيء من الاحتشام بين الطرفين،لا على النحو الذي ذكر من «أنه لم يكن يخضع لحساب كعلاقة الرجل بأولاده»،لمنع هذا أمر في المشبه والمشبه به معاً. للزوم مراعاة حقوق الآخرين ولو كان هو الولد كما في رسالة الحقوق لزين العابدين (عليه السلام) وغيرها من الروايات الدالة عدم صحة صدور هذا الفعل عنه (عليه السلام)،لاستلزامه فعل المرجوح وترك الأولى - لو سلمنا جوازه - من وجوهٍ كثيرة يبعد جداً - مع استحاله بعضها في حقه (صلى الله عليه وآله) حتى بناءً على القول بجواز ترك الأولى - مخالفته (صلى الله عليه وآله) لها مجتمعة في فعلٍ واحد.
فليلاحظ من أبواب العشرة من كتاب الحج في الوسائل الأبواب التالية:
1- باب استحباب حسن المعاشرة والمجاورة والمرافقة.
2- باب كيفية المعاشرة مع أصناف الإخوان.
3- باب تعظيم الأصحاب ومناصحتهم.
4- باب كراهة الانقباض من الناس وفيه الخبر التالي: «الانقباض من الناس مكسبة للعداوة».
5- باب استحباب التحبب إلى الناس والتودد إليهم.
6- باب استحباب مجاملة الناس ولقائهم بالبشر واحترامهم.
وفيه الخبر التالي: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث يصفين ود المرء لأخيه المسلم: يلقاه بالبشر إذا لقيه ويوسع له في المجلس إذا جلس إليه.
7- باب تحريم السلام على الفقير المسلم بخلاف السلام على الغني وفيه: قال الرضا (عليه السلام): من لقي فقيراً مسلماً فسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان.
8- باب استحباب مصافحة المقيم ومعانقة المسافر عند التسليم عليه.
9- باب استحباب التبسم في وجه المؤمن.
10- باب استحباب الصبر على أذى الجار وغيره.
11- باب استحباب تقسيم لحظات الإنسان بين أصحابه بالسوية.
12- باب كراهة ذهاب الحشمة بين الإخوان بالكلية والاسترسال.
13- باب استحباب حسن الخلق مع الناس فيه: إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً. وأكمل الناس عقلاً أحسنهم خلقاً.
14- باب استحباب الإلفة بالناس وفيه قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): أفاضلكم أحسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون وتوطأ رحالهم.
15- باب استحباب كون الإنسان هيناً ليناً.
16- باب استحباب طلاقة الوجه وحسن البشر وفيه: صنائع المعروف وحسن البشر يكسبان المحبة ويدخلان الجنة والبخل وعبوس الوجه يبعدان من الله ويدخلان النار. وفيه أيضاً: إلق أخاك بوجه منبسط.
17- باب استحباب العفو.
18- باب استحباب كظم الغيظ.
19- باب استحباب مداراة الناس.
20- باب وجوب أداء حق المؤمن وجملة من حقوقه الواجبة والمندوبة وفيه في الحديث العاشر: وأن لا يقول له أف.
21- باب استحباب التراحم والتعاطف والتزاور والإلفة.
22- باب استحباب التسليم والمصافحة عند الملاقاة.
23- باب استحباب المصافحة مع قرب العهد باللقاء ولو بقدر دور نخلة.
24- باب استحباب المعانقة للمؤمن.
25- باب تحريم إيذاء المؤمن وإهانته وإذلاله وخذلانه واحتقاره والاستخفاف به: ومنه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): من استخف بفقير مسلم فقد استخف بحق الله.
وليلاحظ من كتاب جهاد النفس من الوسائل،الأبواب التالية:
1- باب،جملة مما ينبغي القيام به من الحقوق،حق الصاحب والجليس والمسيء.
2- باب،استحباب ملازمة الصفات الحميدة وفيه: يا علي ثلاث من مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة،أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتحلم عمن جهل عليك.
3- باب استحباب التخلق بمكارم الأخلاق.
4- باب استحباب الصبر في جميع الأمور.
5- باب استحباب الحلم.
6- باب استحباب الرفق.
7- باب استحباب التواضع.
8- باب استحباب التواضع عند تجدد النعمة.
9- تأكد استحباب التواضع للعالم والمتعلم.
وفي مستدرك الوسائل أيضاً جملة من هذه الأبواب،كما أن في بعض كتب الصحاح لدى العامة شيئاً غير يسير مما ذكر لا مجال للتوسع فيه. فراجع إن شئت.
ومع هذا فكيف تصح نسبة مخالفة هذه الأمور والمعاني مجتمعة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والحال أن الروايات الدالة عليها أكثر من أن تحصى وهو القائل (صلى الله عليه وآله): إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق (227) البحار ج16 ص 210..
وهو الذي أرسل بقوله تعالى: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ] (228) سورة البقرة الآية 44..
وقوله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] (229) سورة الأحزاب الآية 21.. ومن هذا كله يظهر جواب ما نقلناه عن جامع الأحكام للقرطبي فلا تغفل.
الأمر السابع:
قوله (صلى الله عليه وآله): لا والله لا يعاتبني الله فيك أبداً،فقد استدل به على صدور موجب العتاب منه (صلى الله عليه وآله) في زمانٍ سابق على كلامه هذا فدلت على أنها نزلت فيه (صلى الله عليه وآله).
والجواب:
هذه الرواية كما رواها الطبرسي مرسلة،ولم أعثر على من رواها غيره،وكل من أوردها في كتابه عنه نقلها قال: روي عن الصادق ثم أنه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا رأى ابن أم مكتوم،قال: مرحباً،مرحباً،لا والله،لا يعاتبني الله فيك أبداً،وكان يصنع به من اللطف حتى كان يكف عن النبي (صلى الله عليه وآله) مما بفعل به (230) لاحظ فقرة ما ورد بعد نزول الآيات. وقد يدعى أن هذه الرواية بمعنى الرواية الأخرى المتقدمة: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي (231) نفس المصدر السابق.. والدالة على نزول هذه الآيات في شأنه (صلى الله عليه وآله).
لكنك قد عرفت أن الرواية الثانية لا يمكن الاعتماد عليها وأن الوارد من طرق أهل البيت إنما هو الرواية الأولى ولا دلالة فيها على أن العبوس قد صدر منه (صلى الله عليه وآله) سابقاً،لا بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام،لعدم دلالة نفي الشيء حاضراً أو لاحقاً على ثبوته سابقاً،كما أن العكس أيضاً صحيح.
بل يمكن أن يكون المراد بهذه الرواية - بملاحظة ما تقدم من الكلام في العصمة وفي سبب النزول ورواياته - التعريض من النبي (صلى الله عليه وآله) بالعابس الذي نزلت الآيات فيه (232) ومثل هذا الوجه يمكن أن يجرى قي بعض ما دل على أنه كان يكومه (صلى الله عليه وآله) نعم في بعضها ما يمنع ذلك فلاحظ.،ويرشد إليه المروي سبباً للنزول من طرق أهل البيت (عليهم السلام) (233) راجعه فقرة سبب النزول..
ثم إن هذا يشعر - إن لم يدل - بعدم إيمان المعرض به لعدم جواز تعيير المؤمنين بذنوبهم.
بل لم يستبعد في الصحيح من السيرة أن يكون الظاهر من الرواية النفي القطعي لإمكان صدور مثل هذا عنه (صلى الله عليه وآله) (234) الصحيح من السيرة ج3 ص 161.،فيتنافى حينئذٍ مع دعوى أنه عاتبه بالفعل.
ويحتمل تحريف هذه الرواية - كما في الصحيح من السيرة (235) المصدر السابق ج162. أيضاً - بقولهم: أهلاً بمن عاتبني فيه ربي،موجهاً بذلك عدم صحة العمل بهذه الرواية.
وقد عرفت أن الأمر ليس موقوفاً على ثبوت التحريف،فإن ثبت فبها ونعمت وإلا فانفراد الطبرسي بروايتها مع كونها مرسلة ومخالفة لصريح الكتاب والسنة وسائر الوجوه النقلية والعقلية يكفي في الحكم عليها بعدم الاعتماد والوثوق.
الأمر الثامن:
قوله تعالى: [وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى]،حيث استدل بها على أن المخاطب هو من الذين من شأنهم أن يتزكى الناس على أيديهم.
والجواب: ليس في هذه الآية،ولا في غيرها ما يدل على أن التزكي المرجو حصوله إنما يرجى،على يدي النبي (صلى الله عليه وآله)،وهذا الكلام يجري سواء بنينا على كون العابس هو النبي أو بنينا على كون العابس هو غيره وسواء في هذا الأخير بنينا علو كون المخاطب بالآية هو نفس العابس أو النبي (صلى الله عليه وآله) بتقدير «قل يا محمد» كما ذكره في التبيان (236) التبيان ج19 ص 269..
ويشهد لهذا كون التزكية والتعليم أمراً عاماً يشمل لزوم القيام به كل قادرٍ عليه حسب طاقته ووسعه.
ومع الإغماض عن هذا،فالاستدلال بهذه الآية على ما ذكر معارض بدلالة قوله تعالى: [وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى]،على أن المخاطب بها رجل ليس من شأنه أن يتزكى على يديه وقد أشار إليه المرتضى (237) تنزيه الأنبياء ص 119..
وحينئذٍ،فلا تتم الدلالة في نفس الآيات على كون النزول في شأن النبي (صلى الله عليه وآله) فاستدعت الحاجة الرجوع إلى الروايات والوجوه العقلية المتقدمة وقد عرفت ما فيها من الاضطراب والوهن،كما عرفت أيضاً حكم العقل بقبح صدور هذا الفعل منه (صلى الله عليه وآله) فلا نعيد.
الأمر التاسع:
إن فعله (صلى الله عليه وآله) كان يوهم ترجيح الدنيا على الدين وتقديم الأغنياء على الفقراء وقلة المبالاة بانكسار قلوب الفقراء وإن كان الأعمى مستحقاً للتأديب (238) التفسير الكبير ج31 ص55..
الجواب: إن الإيهام المذكور إما أن يكون موجباً لتعنون هذا الفعل من النبي بعنوان آخر أو لا،وعلى الثاني فلا وجه للتعرض للنبي بالعتاب ولا بأي شيء آخر،وعلى الأول فإما أن يكون هذا العنوان هو الحرمة أو الكراهة،والأول باطل قطعاً والثاني مدفوع بكل هذا النكير والزجر الكاشف عن ما هو أعظم من ذلك.
ويمكن أن يجاب بوجوه أخرى تقدمت فلا داعي للإعادة.
الأمر العاشر:
والكلام فيه مبني على استحقاق العمى للتأديب وهو أن المعاتبة إنما كانت على ما في قلبه (صلى الله عليه وآله) حيث كان قد مال إليهم بسبب قرابتهم وشرفهم وعلو منصبهم،وكان ينفر طبعه عن الأعمى بسبب عماه وعدم قرابته وقلة شرفه كما ذكره الفخر الرازي في تفسيره (239) المصدر السابق..
والجواب:
أولاً: نمنع كون الأعمى مستحقاً للتأديب وقد تقدم وجهه.
ثانياً: نمنع كون المعاتبة على ما في قلب،كيف؟
وقد قال تعالى: [فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى .. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى]،وهذا صريح في صدور الفعل في الخارج،والظاهر كون العبوس كذلك كما يقتضيه السياق،وقد عرفت أن الإنكار به أشد من قوله تعالى: [عبس وتولى] فراجع.
ثالثاً: كيف يميل إلى المشركين،وينفر عن الأعمى مع إيمانه. وقد قال تعالى: [أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (240) سورة الفتح الآية 29..
رابعاً: منافاة هذا الميل للمسلكيات الأخلاقية العظيمة ولو لم يصدر عنه (صلى الله عليه وآله) فعل في الخارج.
خامساً: ما تقدم من كون المناط في التفصيل هو التقوى وأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى،قال تعالى: [أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (241) سورة الحجرات الآية 13..
الأمر الحادي عشر:
قد يستدل بإجماع المفسرين على كون العابس هو النبي (صلى الله عليه وآله) (242) التفسير الكبير ج 31 ص 55.. والجواب:
أولاً: طعن بعض أعيان العامة على مفسريهم بالجهل في خصوص المقام فراجع (243) الجامع لأحكام القرآن ج19 ص 212.. إذا كانوا بما رووا جهلاء فهم بما دروا أجهل.
ثانياً: إن الإجماع وإن كان كذلك عند العامة لكن علماء الشيعة قاطعون على كون العابس هو غيره (صلى الله عليه وآله)،والطبرسي في مجمع البيان أيضاً كذلك ومن نسبه إلى غير هذا فقد وهم والذي صنعه رحمة الله في تفسيره إنما هو توجيه رواية العامة على فرض صحتها. فراجع (244) مجمع البيان ج10 ص 437..
ثم إن الإجماع كذلك لا حجية فيه لعدم كشفه عن رأي المعصوم كما هو مبنى الشيعة الإمامية في الإجماع (245) لاحظ رسائل الشيخ الأنصاري ج0 ص77، وأصول الفقه ج2 ص 88..
الأمر الثاني عشر:
إن ما فعله (صلى الله عليه وآله) لا ذنب فيه لكنه من باب ترك الأولى والأفضل وقد عوتب لأجل ذلك (246) التفسير الكبير ج31 ص 55. الفصل ح4 ص 47 ولاحظ تفسير القاسمي ج7 ص 259 عنهما. روح البيان ج10 ص 331..
والجواب:
أولاً: تقدم مراراً ظهور الآيات في النكير والزجر عن أمرٍ محرم لا ينبغي صدوره من النبي لمكان (كلا) وغيرها مما تقدم فلا نعيد.
ثانياً: ورد أنه ما عرض لعلي (عليه السلام) أمران قط كلاهما لله طاعة إلا عمل بأشدهما وأشقهما على نفسه (247) البحار ج41 ص 133. وهذا صريح في عدم ارتكابه لما هو خلاف الأولى والنبي بذلك أولى.
ثالثاً: قد عرفت حكم ترك الأولى في التمهيد فراجع.
الأمر الثالث عشر:
إنه تعالى عاتب نبيه ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني وكان النظر إلى المؤمن أولى،وإن كان فقيراً كان أصلح وأولى من الأمر الآخر وهو الإقبال على الأغنياء طمعاً في إيمانهم وإن كان ذلك نوعاً من المصلحة (248) الجامع لإحكام القرآن ج 19 ص213، من وحي القرآن ج24 ص67 و76.
والجواب: يعلم مما تقدم مفضلاً في الجهة الخامسة فلا نعيد.
الأمر الرابع عشر:
قد يستدل بوحدة السياق مع السورة السابقة من دلالة سورة النازعات على الأمر لموسى أن يكون لين القول مع فرعون عسى أن يخشى ولكن فرعون طغى ولم يخش فأُمر (صلى الله عليه وآله) أن تكون همته موجهة إلى من يخشى لأن القول ينفع معه (249) يلاحظ الجواهر في تفسير القرآن ج25 ص43..
الجواب:
أولاً: ليس في ترتيب السور أي حجية،لكونه فعل غير المعصوم إذ ليس من المعلوم أن القرآن الموجود بين أيدينا قد جمع في وقت متقدم عن وفاته (صلى الله عليه وآله) وأن ترتيب سوره لم يكن من الصحابة (250) البيان في تفسير لقرآن ص 240. وحقائق هامة ص 146..
ثانياً: إن لزوم التوجه إلى فرعون لعله يخشى لا يحصر الأمر في الدعوة والتذكير لمن يخشى فعلاً وهو الأعمى بل هو على خلاف ذلك أدل للزوم التوجه إلى المشركين علهم يخشون وهؤلاء الصناديد إن لم يكونوا أقل من فرعون فهم ليسوا بأكثر منه فساداً وعلواً. هذا مضافاً إلى الكثير مما مر ويصلح الإجابة به هنا فلا نعيد.
الخاتمة:
والذي تحصل إلى هنا عدم إمكان الاعتماد على هذه الروايات لعدة أمور:
أولاً: اضطرب بعضها في نفسه
ثانياً: اختلافها فيما بينها.
ثالثاً: منافاتها للخلق العظيم المقطوع.
رابعاً: منافاتها لصريح القرآن في كثير من آياته.
خامساً: مخالفتها للدليل العقلي القاضي بقبح صدور المنفر عنه (صلى الله عليه وآله) والمنافي للعصمة.
سادساً: مخالفتها للعصمة من وجوه أُخر.
سابعاً: استلزامها ما لا يمكن الالتزام به من المخالفات للآداب والأحكام الشرعية.
ثامناً: معارضتها بما روته الأمامية من طرق أهل البيت.
تاسعاً: مخالفتها لظهور الآيات وللسياق الذي جرت فيه.
عاشراً: ضعف أسانيدها حيث لم تصل إلينا من جهة الثقات من رواة أصحابنا عن أئمتنا الأطهار،بل رواها غيرهم وقد غرفت ما فيها من الضعف.
وهذا الأخير لم نبحثه مفصلاً وإنما اكتفينا بما سبقنا إليه غيرنا من العلماء أثابهم الله حيث لم تشعر بمزيد حاجة إلى ذلك لعدم وصول النوبة إلى الأسانيد بعد سقوطها عن الاعتبار بالوجوه المتقدمة.
ومن كل هذا يظهر ضعف القول بأن جعل العابس غير النبي يستلزم صرفاً للآيات عن ظاهرها إذ قد عرفت عدم ظهورها في كون العابس هو النبي وأن القرائن من داخلها وخارجها تشير إلى خلاف هذا،ولو تنزلنا وسلمنا هذا الظهور لم يكن مانع من صرفها عنه مع وجود المقتضي لذلك من جهات كثيرة خصوصاً الروايات الواردة من طرق أهل البيت (عليهم السلام) المعضدة بالوجوه العقلية والنقلية فلزم العمل على وفقها والحمد لله.

Wapher
del.icio.us

