حكايتى مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!
قناة الأرهاب السعودي
ماذا يصور يا ترى؟

خلاصة القضية توجز في عبارة (لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهليّة...) نزار قباني
27/03/2008
حكايتى مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!
إيلاف: هذه قصة حقيقية وليست من بنات أفكاري،عندما كنت في مقتبل الشباب وباشمهندس "أد الدنيا" كنت أتقاضى مرتب في مصر لا يكفي لإيواء طفل في ملجأ أيتام،ولذلك قررت مثل كثير من أبناء جيلي للسفر إلى بلدان الخليج للإستفادة من حاجتها للمهندسين لأغراض التعمير والبناء وكانت تدفع أضعاف مضاعفة ما كنا نتقاضيه في مصر،ووقع إختياري للسفر إلى الرياض،وكانت نقلة كبيرة بالنسبة لي،فالرياض معروفة أنها مدينة شديدة المحافظة وأنا جئت من القاهرة عندما كانت شديدة الإنفتاح! وسمعت كثيرا عن رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذين كانوا ينتشرون بالأسواق وكنت ألاحظهم وهم يمسكون بـ "خيزرانة رفيعة" يطرقون بها على أبواب المحلات التجارية وهم يصيحون (صلاة ياولد .. صلاة) وذلك للتنبيه عليهم لغلق محالهم أثناء أوقات الصلاة،وأحيانا أخرى كانوا "يلسوعون" بتلك الخيزرانة مؤخرات بعض الأولاد المراهقين الذين يعاكسون البنات في الأسواق،وكان أهل الرياض يطلقون على رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لفظ "الهيئة" إختصارا،وكأنه لايوجد هيئة غيرهم في الرياض،وأنا لم أعش في أي مدينة سوى الرياض لذلك لا أدري إن كان رجال تلك الهيئة يختلفون عن غيرهم في المدن الأخرى. وكنت أعتقد أن رجال الهيئة "ناس بتوع ربنا" ويحاولون حفز الناس على تطبيق بعض شئون الشريعة،ولكني كنت دائما أتساءل إن كان هناك أي تضارب بين وظيفتهم وبين وظيفة رجال الشرطة.
ويوما كنت أتسوق في شارع الوزير (عندما كان المركز الرئيسى للتسوق) في وسط الرياض،وكان الوقت بعد صلاة العشاء،مما يعني أن المحلات سوف تظل مفتوحة حتى ساعة متأخرة من الليل لأن الوقت كان في أواخر شهر رمضان الكريم،وكنت أتسوق لشراء بعض الهدايا لأفراد أسرتي وللأصدقاء،وخاصة أنها كانت أول مرة أسافر في أجازة بعد سفري من القاهرة،وبينما أنا مستغرق في فحص أحدى فاترينات محلات الهدايا،وإذا بي أفاجأ بيد تمسكني من "قفايا"،وبلهجة أهل نجد "والتى وجدت صعوبة فى فهمها فى البداية" وجدته يصرخ ويقول: (إنت ليش شعرك طويل مثل الحريم؟).
وأخذتني المفاجأة تماما ونظرت خلفي فوجدت شابا له لحية خفيفة تحاول الإستطالة بالعافية،ممسكا في يده الخيزراانة المعتادة،وبجواره شاب في سن صغير جدا ويرتدى الزي الرسمي لرجال شرطة الرياض،ويتحلق حولهما أعدادا غفيرة من صبية صغار،و بدا المنظر وكأنهم قبضوا على حرامي سرق حنفية من الجامع!! وأسقط في يدي؟؟ ماذا أفعل وكيف أتصرف،وبينما أنا أفكر للحظات وجدت رجل الهيئة،يجرجرني "بمعنى الكلمة" من قفايا متجها إلى جهة غير معلومة؟!! والعيال الصبية الصغار يصيحون ويهللون من خلفي،وإن كانوا في أحد حواري القاهرة،لم يكن ينقصهم إلا أن يهتفوا: "هيه .. هيه ..العبيط أهه"،والحمد لله أنني لم أفهم صيحاتهم وهتافهم خلفي،وفجأة برزت لي فكرة جهنمية وهو أنني لا بد أن أستعبط وأسوق "الهبالة على الشيطنة"،فوجدتني أتحدث للرجل الممسك من قفايا باللغة الإنجليزية،إعتمادا على أنه لا يتحدثها،والسبب أنني تحدثت إليه بالإنجليزية هو أنه فيما يبدو فإن الخواجات يتلقون معاملة مختلفة وخاصة فيما يتعلق بإطالة الشعر،ولم لا؟ فهم كفار "كده .. كده .. رايحيين النار"،ولا ينفع معهم لا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر،لذلك تخيلت أن رجل الهيئة سوف يبلع الطعم ويعتقد أنني خواجة ومن ثم يطلق سراحي،ولكنه فيما يبدو طلع أنصح مني،وفوجئت به يقول لي ردا على حديثي بالإنجليزية: - (والله .. تبرطن .. ما تبرطن إنت شكلك عربي إبن عربي!!).
ولم أستسلم وإستمريت في التحدث إليه باللغة الإنجليزية وبلهجة إعتراضية على طريقة القبض عليّ،ولم أستطع أن أقول له مثلا أن سفير بلدي سوف يقوم الدنيا ويقعدها،لأن سفير بلدي لو علم بالواقعة وقتها لكان حضر بنفسه وحلق لي شعري بالموسي!!.
المهم أخذوني إلى مقر الهيئة في منطقة لا تبعد كثيرا عن شارع الوزير تسمى البطحاء،ورغم كل شيء رفضت التحدث إليه باللغة العربية،وكلما نظرت ورائي وجدت أن أعداد الصبية ورائى تزداد وكأننا في مظاهرة سياسية،وكنت ألاحظ في عيون تلك الصبية كل الأمل أن يشاهدوا إعدامي علنا،أو حلق شعري وهذا أضعف الإيمان!!.
وعند وصولي إلى مقر الهيئة بدأ الصبية الصغار في الإنصراف وخيبة الأمل تعلوهم لأنهم لم يشاهدوا فيّ يوم!!.
ووجدت رجل الهيئة يقول بلهجة آمرة لرجل الشرطة الواقف على الباب: (خذوه!!) ونظرت إلى البيت فوجدت البيت بناء قديما متهالكا،وعلى رأينا فى مصر: "لو حزموا البيت ده .. كان يرقص". وعند صعودي للسلالم الحجرية المكسرة،وجدت شابا سعوديا تعدى سن المراهقة بقليل وهو يشتكي بصوت أقرب للبكاء: (أخذوني من السيارة وتركت أخواتي البنات وحدهن)،ونظرت إلى رأسه فوجدتهم قد شقوا له طريقا في وسط شعر راسه بماكينة الحلاقة،وكان منظرا مضحكا من جهه ومحزنا للغاية من جهة أخرى على أساس أن هناك إحتمال كبير أن أنزل أنا شخصيا على هذا السلم المكسر بنفس هذا المنظر المضحك؟.
وصعدت للدور الثاني فوجدت العديد من الشبان أغلبهم سعوديين،وكلهم مقبوض عليهم بنفس التهمة،وهي تهمة إطالة شعر الرأس والتشبه بالنساء،وتعجبت كثيرا وخاصة أنني سبق لي أن قرأت عن سيرة النبى محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان له شعر طويل بجدائل ولم يعتبر هذا فى عصره تشبها بالنساء.
وطبعا لم يكن هناك مجال أن تجادل أي أحد في الدور الثاني في مبنى "الهيئة" بهذا المنطق،على أساس أنه: "لا جدال فى الدين".
وعندما وجدت أن خطتى بأن أمثل دور خواجة "يرطن" بالإنجليزية قد فشلت فشلت ذريعا، أستسلمت ووجدتنى واقفا فى طابور الحلاقة لكى أسجل أسمى، وبعد أن سجلت أسمى، وأنا فى الإنتظار لمحت شيخا وقورا فى سن والدى ذو ذقن ناصعة البياض أضفت عليه سماحة وطيبة، وجدتنى أحاول المحاولة الأخيرة للدفاع عن نفسى، وتلك المرة كانت باللغة العربية، فوجهت كلامى للشيخ الوقور، والذى بدا وكأنه كبير "القعدة" كلها:
- تسمح لى بكلمة ياوالدي؟ "ويبدو أنه سر بكلمة "والدي""
- (تفضل).
- أنا مسافر بكرة مصر علشان أقضي أجازة العيد مع أبويا وأمي،ومايصحش يشوفوني بالشكل ده.
- (وإنت ليش يا أخي تطول شعرك؟)
- أنا كنت رايح للحلاق لما مسكوني في شارع الوزير؟
- (صحيح إنت كنت رايح للحلاق؟)
- والله العظيم أنا كنت رايح أحلق!! (وكانت كذبة .. والحقيقة أنا كنت ناوي أحلق في القاهرة)
- (طيب لو تركتك الحين لتروح للحلاق،وبعدين كذبت،يكون إيش جزاءك؟)
- يبقى ربنا لا يتقبل لا صيامي ولا صلاتي. (ويبدو أن كلامي قد ترك أثرا فى نفسه)،ولم أصدق أذني عندما قال لبعض مساعديه:
- (أتركوه!).
فنزلت جريا على السلالم المكسرة بمهارة لاعبي السيرك،وحاول الشرطي على الباب أن يوقفني على أساس أنه لم ير طريقا في وسط شعر رأسي،ولكن مساعدي الشيخ أمروه بتركي،وبعد أن خرجت من هذا البيت القديم،أطلقت ساقاي للريح وأعتقد أنني سجلت رقما قياسيا عالميا في عدو المائة متر في تلك الليلة،ووصلت سيارتي وأغلقتها ابوابا وشبابيكا،وإبتعدت بأسرع ما يمكن عن منطقة الخطر حتى وصلت لبيتى. وما زلت أذكر بالخير هذا الشيخ الطيب.
وأذكر تلك القصة بمناسبة ما قرأت عن سيدة الأعمال السعودية والتي قبض عليها بواسطة رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أثناء جلوسها في مقهى عام في الرياض مع الموظف الذي لم يتمكن من إستقبالها في مكتبه بسبب إنقطاع التيار الكهربائي،وقيل أنها عوملت معاملة سيئة في مقر الهيئة ورفضوا أن تتصل بأهلها وأخذوا تليفونها الموبايل،وأنا أصدق هذا عن تجربة،ورجال الهيئة يتمتعون بصلاحيات واسعة ولا تستطيع الدفاع عن نفسك في معظم الأحيان،وفي قصتي التي ذكرتها أعتقد أن هذا الشيخ الوقور الطيب كان إستثناء وليس القاعدة. وقد قرأت مقالا رائعا لأحد الأمراء السعوديين من الجيل الثالث ينتقد تصرف رجال الهيئة تجاه تلك السيدة بقلم لاذع وساخر،وكنت أعتقد أن دور تلك الهيئة هو دور إرشادي وليس دور تنفيذي،فهم وكيل النيابة والقاضي والشرطة بإختصار هم "الحكومة" على حد قول أحدهم عندما رد على تساؤل سيدة الأعمال: (أين الحكومة)،فقال لها: (نحن الحكومة)!!.
ولا أدري ألم يقرأ رجال تلك الهيئة قوله تعالى: [وأدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة] [وإن كنت فظا غليظ القلب لإنفضوا من حولك].
سامي بحيري - كاتب مصري - الولايات المتحدة
http://tsaleb.com/web/index.php?option=com_content&task=view&id=654&Itemid=89

Wapher
del.icio.us


