السعودية والخليج ومتطلبات التغيير «6»
قناة المسلمين العالمية Channel Muslim's World
السعودية والخليج ومتطلبات التغيير «5»
ماهر العبد الله
21 - 11 - 2007

الحرب الأفغانية - انتقام الجمهوريين:
قدم الجمهوريين للبيت الأبيض بعد انتخابات صعبة حسمت نتائجها المحكمة العليا لأول مرة في تاريخ أمريكا.
وكان قدوم الجمهوري للحكم في أمريكا مثارة قلق وارتياح في نفس الوقت بالنسبة للسعوديين.
على عكس الديمقراطيين يركز الجمهوريين على السياسات الخارجية بشكل أكبر ويبدون تحفظاً أكبر بالنسبة للقضية العربية.
وهذا ما جعل السعوديين يروا في قدوم الجمهوريين تخليصاً لهم من مأزق وقعوا فيه بسبب انفجار انتفاضة الأقصى في فلسطين سنة 2000 والهزيمة التي ألحقتها إيران بالسعودية على المسرح الإسلامي نتيجة لانتصار حزب الله في جنوب لبنان مما أدى لخنق السعودية سياسياً خاصة أنه ثبت بأن التعامل الأمريكي مع هكذا مسائل تضبطه قيود عديدة،فأمريكا لم تستطع أن تضغط على لبنان الضعيف أو سوريا بسبب المتانة السياسية للقضية اللبنانية.
ولحفظ ماء وجه آل سعود وإنقاذها من هذا المأزق الملك الأمير عبد الله للورقة الوحيدة التي يجيد استخدامها وهي الورقة الاقتصادية.
فقام الأمير بإنشاء صندوقي الانتفاضة والأقصى وأبدى اهتماما واضحاً بالقضية الفلسطينية التي عادت بكامل ثقلها بعد انهيار عملية السلام وانفجار انتفاضة الأقصى للمسرح الإسلامي والعربي.
وراهن آل سعود على أن يعطي الجمهوريين الدور السعودي هامش أكبر في فلسطين وأن يعملوا على إعادة عملية السلام.
ألا أن ما أقلق آل سعود هو الخطاب الجمهوريين السياسي أثناء حملتهم الانتخابية التي خاضوها لمواجهة الديمقراطيين وهي ما أسموه فشل الديمقراطيين في احتواء العراق وعدم التحرك في مجال محاربة الإرهاب التي رأوا أن وتيرتها في تزايد مطرد والتساهل مع السعودية حيال هذه الأحداث خصوصاً بعد رفض السعودية لتسلم أسامة بن لادن من السودان سنة 1996 بطلب أمريكي لمحاكمته وذلك لتجنب إرهاصات سجنه أو إعدامه.
كما أن السعودية تعلم تماماً بأن سياسة الجمهوريين هي سياسة أمنية بالدرجة الأولى وليست اقتصادية تميل إلى استعمال القوة العسكرية.
وربما أكثر ما كان يثير قلق السعوديين هو حديث الجمهوريين عن ضرورة تغيير سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بسبب ما تثيره من «انتقادات دولية وشعبية» كما أدعى الجمهوريين.
ويمكن القول بأن الجمهوريين تبنوا المدرسة السياسية القائلة بضرورة التعامل مع الشعوب والتخاطب معها بعد تآكل الإتحاد السوفيتي وانهياره وهو ما أسماه المحافظون الجدد بالسياسة الفتية.
فالرأي المتداول بين النخب السياسية والأكاديمية في الغرب والولايات المتحدة كان يرى أن النظم الديكتاتورية في منطقة الخليج كانت وحدها الكفيل بإبقاء المصالح الأمريكية والغربية في المنطقة أثناء الحرب الباردة والحركات الراديكالية (الثورة الإسلامية في إيران،الحركة القومية العربية،الشيوعية) لعدم قدرة الولايات المتحدة على مواجهتها شعبياً بسبب طبيعة التغلغل لهذه لحركات (تغلغل شعبي)،وعليه فإن الأنظمة الديكتاتورية تآكلت مشروعيتها بعد سقوط النظام الشيوعي وضُرب التيار القومي العربي وتوقف تصدير الثورة وانفتاح إيران مع الغرب وظهور فرصة انفراج سياسي بين طهران والولايات المتحدة وارتفاع المستوى الثقافي للشعوب الخليجية.
ويرى الجمهوريين أن استمرار دعم هكذا أنظمة كما فعل الديمقراطيين سيؤدي لتأليب العرب والمسلمين وتفجير نوع جديد من الراديكالية ظهرت آثارها بتفجيرات الخبر سنة 1996 ومبنى التجارة العالمي في نيويورك سنة 1995 والسفارات الأمريكية في عدة مناطق من العالم.
وتعتقد النخب الأمريكية بأن الأجواء الديكتاتورية الشمولية أدت وهيئت الأرض لظهور ثورات راديكالية عنيفة (الشيوعية - الإسلامية - القومية العربية - انقلابات عسكرية) ومن هنا فلا بد لأمريكا من أجل حماية أمنها القومي أن تتوقف عن دعم هذه الأنظمة التي تسببت في إثارة شعوبهم على الولايات المتحدة ولومها على كل ما يحدث عليهم.
وعلى كلاً فالدرس الذي تلقاه الجمهوريين أثناء الانتخابات برهنت على صعوبة التعامل مع الموقفين الفلسطيني والعراقي بالطريقة المعهودة.
فهم يروا أن الإزدهار الاقتصادي الذي حصده الديمقراطيين وأوصلوا نسبة عجز الميزانية للصفر أتى على حساب قضايا أساسية وازنتها الإدارة السابقة مع الدول النفطية على الرغم من تراجع أهميتها ومنها عدم الانتقام من القاعدة بعد مهاجمتها لأهداف أمريكية في مناطق عدة.
كما أبدى الجمهوريين تشدداً واضحاً حيال الشروط السعودية مع سياسات الشركات الأمريكية المستثمرة للغاز الطبيعي مما أدى لتأجيلها عدة مرات (بسبب شروط سياسية بالدرجة الأولى ثم شروط اقتصادية) وأعادوا النظر في إمكانية دخول الدولة السعودية في منظمة التجارة العالمية.
وقد ظهرت بدايات تبني الإدارة الأمريكية لهذه السياسة عندما قدم سفير الولايات المتحدة في باكستان مذكرة تحذير لحركة طالبان.
حيث صرح نائب وزير الخارجية الأمريكية «ريتشارد أرميتاج» في 5 مايو 2001 «أن الولايات المتحدّة قد تشنّ هجوماً عسكريا على حركة طالبان،إذا شنّ أسامة بن لادن هجمات على مصالح أمريكية» بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء «رويترز».
وقد أثار هذا الخبر مخاوف سعودية وخليجية لما قد يحدث في أراضيها ذات التوجه الوهابي.
وقد ألتقط السعوديين هذا الهاجس وبدءوا يعدوا أنفسهم بصياغة جديدة تحفظ دورهم الإقليمي وتضمن بقائهم على سدة الهيمنة لإبراز أهمية الدور السعودي وقوته في المنطقة وكان ذلك عن طريق استعمال الورقة الفلسطينية الإسرائيلية كعامل ضغط على أمريكا خصوصاً وأن الدولة السعودية تستطيع أن تتراجع عن كامل دورها في دعم التوجه الإسلامي والقومي (المعتدل) على حد تعبير المسئولين السعوديين.
ألا أن الجمهوريين استمروا بالانحياز لإسرائيل على خلاف المتوقع سعودياً وشعر الحكام العرب بأن دورهم بدأ بالتراجع.
ودعا الرئيس الأمريكي الملك عبد الله لزيارته في واشنطن وقابلها الملك بالرفض وتكررت الدعوة وتكرر رفض الملك عبد الله لها معللاً بأنه لا يرى جدوى من المحادثات مادامت أمريكا متحيزة بالكامل نحو إسرائيل خصوصاً مع عودة القضية بكامل وزنها الديني والقومي في محاولة لإشعار أمريكا أو تنبيهها بأن لها وزن حقيقي فاعل وضاغط في المنطقة وإنها بحاجة لهذا الحجم والتأثير وتبع هذا الرفض تصريح صحفي غريب للملك عبد الله حين قال بأن كل دولة عليها أن تذهب في طريقها لأن مصالح البلدين أصبحت متباعدة.
ألا أن تنبؤات الجمهوريين تحققت في يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2001 حين صدمت طائرات مدنية مبنيي التجارة العالمي في نيويورك (المركز الاقتصادي) والكونجرس مع وجود أعضاء (المركز والقيادة السياسية) والبنتاغون (المركز والقيادة العسكري) في العاصمة واشنطن راح ضحيتها 7000 شخص وأدخل أمريكا في شبه غيبوبة تبعها غضب سياسي وشعبي عارم.
وسرعان ما اتهمت أمريكا القاعدة بتنفيذ هذه الهجمات ووقوف أسامة بن لادن ورائها.
وفي أوج وقمة الغضب الأمريكي صبت آل سعود الزيت على النار حين رفضوا اتهام الولايات المتحدة للقاعدة وتوريط أسماء سعوديين فيها وطالبت بإبراز أدلة التحقيقات ولكن ما يثير في الأمر بشكل أكبر هو محاولة السعودية بطرق شبه رسمية بأن توجه الاتهام لحزب الله الشيعي بشكل مباشر وغير مباشر بخطاب يركز على أن الإسلام السني هو إسلام «معتدل» كما حاولت عربياً ثم دولياً أن توجه الاتهام للصهاينة «الذين يريدون تدمير العلاقات الطيبة بين السعودية وأمريكا» على حد قول وزير الخارجية السعودي في صحيفة الشرق الأوسط.
فرد الإسرائيليين هذه الاتهامات بسخرية واضحة في صحفهم مبينين بأن مصالح إسرائيل القومية تقتضي اتهام حزب الله وليس القاعدة أو طالبان اللتان لم تهاجم الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبعد أن أشارت التحقيقات الأمريكية على أن 15 من أصل 19 من منفذي العمليات هم سعوديين،بالإضافة لتورط أمراء سعوديين مالياً فيها تصاعدت حدة المشكلة وأرتفع مستوى توتر العلاقات السعودية الأمريكية بسبب الصدمة الرهيبة التي تلاقها المجتمع الأمريكي الذي تساءل عن الأسباب وراء إقدام السعوديين بالذات (أصدقاء أمريكا ذوي الإسلام المعتدل) على ضرب نواة القوى الأمريكية واستهداف الكل (مدنيين وسياسيين) بعد كل ما قدمته أمريكا من دعم وتكنولوجيا وتعليم عالي وخبرات صناعية ومهنية ساهمت في نقل السعوديين نقلة فكرية هائلة.
وجاءت الصدمة الكبرى في أكتوبر عام 2001،بعد أن هاجمت قوات الناتو مكاتب الهيئة السعودية العليا للإغاثة في البوسنة،التي أسسها الأمير سلطان ليعثروا على صور لسفارتي كينيا وتنزانيا،قبل وبعد التفجير وصور لمركز التجارة العالمي والمدمرة كول،ومعلومات عن كيفية استعمال الطائرات الخاصة برش المحاصيل،ومواد من أجل تزوير بطاقات الهوية الأميركية.
كما تم التحقق بأن زوجة الأمير بندر قد تبرعت بـ 130 ألف دولار انتهت إلى أثنين من منفذي عمليات الحادي عشر من سبتمبر.
كما أن الأمير تركي بن فيصل رئيس الاستخبارات السعودي قد تم أقالته من منصبه 30 أغسطس أي قبل أحداث 11 سبتمبر بأحد عشر يوماً وهي من الأمور التي ترفض الولايات المتحدة أن تكشف عن طبيعة ترابط هذه المعلومات وأحداث الحادي عشر من سبتمر حتى الآن.
جاء تصرف الحكومة الفيدرالية سريعاً بعد العثور على هذه الدلائل وقامت فوراً بالحجز على الأموال السعودية في البنوك الأمريكية،ثم تقدمت بطلب للمصارف السويسرية السرية لتقديم كامل المعلومات المتعلقة بالأموال السعودية تبع ذلك تشريعات أوروبية وقيود جديدة على مصارفها تخولها صلاحية منع أعضاء العائلة السعودية الحاكمة من نقل أو إيداع أموالها،وتجميد حساباتهم المصرفية في المستقبل.
وقد كتبت عن هذه الإجراءات صحيفة «الغاردين» البريطانية الصادرة في يوليو من سنة 2002.
وما تم كشفه في ذلك الوقت بأن مجموع الإيداعات المصرفية في أمريكا وبريطانيا التابعة للأمراء السعوديين (حوالي 6000 أمير سعودي) وصل لمبلغ 800 مليار دولار أمريكي دون جرد الممتلكات العقارية والاستثمارات وهو ما يعتبره الأمراء السعوديين حق شرعي لهم بناء على قانون البلاد أو ما أسماه عبد العزيز (ملك الآباء والأجداد) وقد أشارت لهذه المعلومات أيضاً صحيفة القدس العربي الصادرة في 19/8/2002.
ألا أن ما أدهش السعوديين هو سرعة تصاعد الحملة الأمريكية وسرعة تغير شكلها لتتخذ طبيعة شمولية خطيرة.
فبينما كان السعوديين يسلون أنفسهم بتصريحات بعض أعضاء الإدارة الأمريكية وبعض أعضاء الكونجرس المطمئنة والمقللة من آثار تلك الهجمة على العلاقات الثنائية بين البلدين تحول الرد الأمريكي إلى شكل آخر متجاوزاً الحجز المالي وحملات الاستفزاز الإعلامية.
فتم رفض جميع طلبات السعوديين لتأشيرات الدخول لأراضي الولايات المتحدة على مختلف مشاربهم (سواء الراغبون في الدراسة بأمريكا أو العلاج فيها بما فيهم وفود شركة أرامكو نفسها أو حضور المؤتمرات) كما رافق ذلك تفتيش السعوديين (الخارجين) بشكل متشدد ودقيق في المطارات وبل تخصيص خطوط خاصة لهم ولم ينجو من ذلك حتى ذوي المستوى الرفيع،كما قامت الحكومة الفيدرالية بطرد دبلوماسيين سعوديين من السفارة السعودية في واشنطن،وخفض صادرات النفط السعودي إليها ثم وضع أسم السعودية ضمن قائمة دول محور الشر وإزالته في الطبعة الثانية.
ومن ثم البدء في حملة دولية واسعة لمحاربة الإرهاب والاستعداد لضرب أفغانستان في حال رفضت تسليم أسامة بن لادن للقضاء الأمريكي لتفاجئ السعودية بمأزق شعبي خطير بسبب طبيعة نظام طالبان.
ثم جاء الرد الشعبي بنفس قوة الرد الرسمي إذ شن الإعلام الأمريكي حرب واسعة على الشعب السعودي ونظام حكمه في آن واحد وبدأ في إعادة ترتيب أوراقه وفتح ملفات عديدة مع السعودية.
وقد حرصت السعودية في ذلك الوقت على تهدئة الأوضاع بين البلدين مراهنة على الوقت في إطفاء نار الغضب الأمريكية معللة الأمر بأن العلاقات تمر بمجرد فتور طبيعي جراء أحداث سبتمبر سرعان ما تهدئ ورفضت أي تصريح أو حتى مجرد الإشارة لوجود أي تغير أو تبدل في العلاقات بين البلدين بل دأبت على تأكيد قوتها ومتانتها وتاريخيتها ولم تكن تتوقف عن الإشارة بأنها صديق أمريكا الأول في المنطقة (قبل وجود إسرائيل) وأنعكس كل ذلك بشكل عام على لغة الخطاب الرسمي السعودي الموجه للغرب بالدرجة الأولى والعالم العربي بالدرجة الثانية.
وفي الحقيقة فأن السعودية لم تكن بمنأى عن النقد في الصحافة الأميركية قبل أحداث 11 سبتمبر،فقد كانت موضوعات مثل السياسة الداخلية السعودية ووضع المرأة والأقليات والحقوق المدنية بارزة فيها بشكل شبه دائم ولكن ما تغير في الأمر وأقلق السعوديين بشكل جدي هو دعم الإدارة الأميركية لهذه الحملة بشكل غير مباشر،فعلى خلاف الوضع السابق،لاحظ السعوديين تغيراً في لهجة النقد وطريقتها ولاحظوا بأن العديد من الكتاب في الصحافة الأميركية أصبحوا يستندون على معلومات ودراسات رسمية واستخباراتيه أمريكية بدا وكأنها تسريبات متعمدة.
كما أن الخلاف الظاهري بين السعودية والولايات المتحدة لم يقف عند آثار هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول،بل تعدى الأمر ليشمل التوجهات السعودية داخلياً وخارجياً في المنطقة العربية إذ رأت الولايات المتحدة أن ذلك كان سبباً في إثارة الرأي العام السعودي والإسلامي تجاه واشنطن لعلاقتها الوثيقة بحكومة اسرائيل بينما ألقت الحكومة السعودية اللوم على الولايات المتحدة لأنها تلعب دوراً قذراً للغاية في فلسطين بالتالي حدوث التفجيرات هو أمر لا علاقة له بالحكومة السعودية أو سياساتها لتستعر حرباً كلامية في هذا المجال.
وهو السبب وراء غضب الأمريكيين عندما تبرع الأمير وليد بن طلال لسكان نيويورك بمبلغ 2 مليون دولار كتعزية ومساعدة من شخصه ثم أتبع ذلك بكلام عزا فيه الاستياء العربي لعدم حيادية واشنطن تجاه إسرائيل وأنه كان السبب الرئيسي وراء هذه التفجيرات فما كان من رئيس بلدية نيويورك إلا أن رفض المبلغ بشكل أهان فيه الأمير السعودي وعنفه.
وبهذا تحول الموقف السعودي الرسمي من موقف المطالب بأدلة صريحة حول هوية المشاركين في أحداث سبتمبر إلى موقف القبول التام لذلك كواقع مراهنين على الحرب الأفغانية في امتصاص الغضب الأمريكي ورجوع العلاقات لطبيعتها.
وهو ما أدخل الدولة في موقف حرج للغاية مع الشعب السعودي بسبب بدء الولايات المتحدة في حملة دولية لشن حرب على أفغانستان وتدمير القاعدة وإقامة نظام سياسي ديمقراطي في أفغانستان.
وقد أدركت الدولة السعودية بأنها ستقع في دوامة من التناقضات السياسية يصعب الخروج منها.
فعلى الدولة أن تعلن موقفها بشكل صريح من هذه الحرب بناء على عقيدة جورج بوش التي أطلقها (من ليس معنا فهو ضدنا) وأن تدعم إقامة دولة ديمقراطية على أنقاض دولة إسلامية وهابية كانت تدعمها لسنين وتعترف بحكومتها وهو تراجع حرفي عن كل ما هو سعودي،فآل سعود سيقومون بضربه في الصميم لنواة شرعية دولتهم ثم يتبع ذلك بتأكيد شرعية الحكومة الديمقراطية.
وهذا شكل مأزق حقيقي للدولة السعودية لما قد يخلفه هذا الأمر في وجدان رعاياها وانزلاق صورة السعودية في العالم الإسلامي.
حسم السعوديين موقفهم لصالح الولايات المتحدة رغم صعوبات اتخاذهم هذا الموقف.
ولكنهم لمسوا بوضوح هذه المرة بأن الدين الذي كان عامل مساعد في توطيد العلاقات الأمريكية السعودية ودعمها تحول الآن لعامل إقلاق وزعزعة لهذه العلاقات خصوصاً وأن من أبرز الأمور التي يركز عليها صانعو السياسة الأميركية هي طبيعة العلاقة بين مؤسسة آل سعود ومؤسسة الوهابية ويرى المنتقدون أن النظام الديني المدعوم من المؤسسة السياسية أخرج جيلا كاملا مليئا بالكراهية للولايات المتحدة ليس في السعودية فحسب بل في الدول الإسلامية التي تمول فيها السعودية المدارس الوهابية،والتي وصفها «جيمس ولسي» مدير الاستخبارات الأميركية السابق بأن الوهابية تتشابه مع القومية الصارمة التي سادت ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى ومهدت الطريق أمام ظهور هتلر.
وقد وجد آل سعود بأن الوهابية فعلاً كانت تشكل العائق الأكبر والحاجز الأول أمام اتخاذ أي قرار سياسي حساس وهي التي جعلت آل سعود يترددون في شن حرب على أفغانستان أو إقامة علاقات كاملة مع إسرائيل وهي التي تؤثر على مسألة دخول السعودية في منظمة التجارة العالمية واستيفاء شروطها ولعلها ستبقى كذلك كحركة تقييد للكثير من التحركات السياسية المستقبلية لتلبية حاجات المرحلة الجديدة مع أمريكا والدور الذي قد تؤديه السعودية في الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في حربها على الإرهاب لكي لا تشكل عبئاً على واشنطن.
قرر آل سعود استغلال أحداث 11 سبتمبر 2001 بذكاء كبير واستثمارها لتعجيل الضربة التي بدؤها في أعقاب تفجيرات الخبر 1996 وهي العمل على إعادة صياغة الوهابية من جديد.
وكانت إستراتيجيتها الجديدة هذه المرة هي انبثاق نموذج جديد من الإسلام الوهابي ألا أنه هذه المرة وخلافاً للنموذج القديم (الموجه ضد الحركات الراديكالية الشيعة والشيوعيين والقوميين) سيتناسب مع المرحلة الجديدة (مرحلة منظمة التجارة الحرة والتطبيع مع إسرائيل) فهو ليبرالي جداً،بعيد عن العمل الجهادي وقريب من الأفكار الرأسمالية.
وبدأت الخطة بتحريك إمبراطوريتها الإعلامية وإطلاق أقلام العرب والمثقفين للهجوم الواسع والشامل على إسلام طالبان وفصله في أذهان الرأي العام (بشكل سلس جداً) عن الإسلام السعودي باستعمال لغة متعددة لتناسب أغلب تيارات العقل العربي.
فتم استعمال ورقة (تشويه الإسلام) و(نفور الغرب منه) و(ضرورة نشر الإسلام «الحقيقي» و«الوسطي» في الغرب لكسبهم) في الخطاب الموجه للإسلاميين السنة،وورقة (مواكبة العصر) و(أعادة النظر في حقوق المرأة) لليبراليين وورقة (مواجهة أخطار العدو المشترك) للقوميين العرب.
وهكذا بالنتيجة تتحول الوهابية من مذهب «متطرف - ضيق - محلي» لمذهب آخر يحمل نفس الاسم ولكنه «المعتدل - العالمي - ألتعددي».
وعلى المسلمين أن يبذؤ بتعريف أمريكا والغرب على الإسلام «الحقيقي المتسامح» بسبب التشويه الذي أصابه جراء نموذج طالبان «المتطرف» كما أسمته الحكومة السعودية.
وتحركت قناة الجزيرة في هذا المجال بسبب إتحاد موقف الإسلاميين التغريبيين وموقف السعودية وبدأت تهاجم المشاهد العربي بتقارير حول الإسلام في الغرب والعلماء المسلمين هناك في برامج «موعد في المهجر» و«مراسلون» ومناقشة كتابات التي تركز على العلمانية والفكر الغربي والإصلاحيين الدينيين في برنامج «الكتاب خير جليس» واستضافة شخصيات فاعلة في حركات إسلامية في برنامج «شاهد على العصر» و«بلا حدود» وركزت على موضوع الإصلاح الديني ومناقشة «اليهودية - الكراهية - العداء للغرب» وما إلى ذلك من مواضيع في برنامج الشريعة والحياة.
أما الطاقم السعودي فقد أدخل المشاهدين في ما هو أعمق من هذا،ففجأة ظهرت أسماء «محمد عمارة» وهو شخص ينتمي ليسار يسار الإسلام الليبرالي وصعد نجم «الداعية عمرو خالد» وهو شاب حليق اللحية يقدم الإسلام السني بشكل حديث بعيد عن التطرف وبرزت أسماء دعاة معتدلين كثر آخرين مثل «الشيخ حمزة».
ثم أعلنوا عن إطلاق قنوات عدة «معتدلة» مثل قناة «المجد» و«أقرأ» حيث تستضيف علماء وهابية بلبس غريب (ملابس رياضية أو ملابس أمريكية تتبع الموضة) وبدئوا في حملة واسعة من أجل إطلاق قناة «المجد» الناطقة باللغة الإنجليزية والتي فشلت وأنهار مشروعها بسبب تناقص دواعي وجودها «السياسية».
كما أعلنت وزارة الإعلام السعودي عن نيتها برفقة عدد من رجال الأعمال السعوديين «المنفتحين» عن نيتها بإطلاق قناة إسلامية تغطي كل أوروبا وأمريكا وتبث بـ 18 لغة حية لتقديم الإسلام المعتدل.
وفي قناة MBC الفضائية طالعتنا ببرنامج يبث في كل يوم جمعة عن شيخ يُدعى «حمزة» ذو ملامح غربية ويرتدى ملابس غربية حيث يصحب معه مجموعة من الشباب المسلم الذي يفترض فيهم أن يكونوا غربيين (ألا أن أغلبهم من أصول عربية مغربية) وهم يرتدون ملابس مراهقة جداً وكذلك طريقة قصات الشعر حيث يبدون وكأنهم ينتمون لأحد نوادي الدراجات النارية الأمريكية أو نادي غناء غربي.
والبرنامج يقدمه مع هؤلاء الشباب في رحلة حول الغرب حيث يبدءون الحديث عن الإسلام ومدى (تسامحه) و(ليبراليته) ويتناقشون فيما بينهم أو مع رجال دين مسيحيين خلال رحلتهم عن الإسلام ودوره في التأثير على أوروبا.
وفجأة تحولت قناة مغمورة ذات توجهات علمانية تُدعى قناة «المستقلة» لمختبر تجارب حي للأفكار السعودية الجديدة حول الوهابية للعمل على «جس النبض» أو «إجراء تجارب معينة للمس طبيعة التبعات المترتبة على مشاريع معينة».
وقد ساهم كل ذلك وبشكل فعال عن تخفيف الغليان الداخلي والذي ترافق مع العمليات الحربية الأمريكية ضد أفغانستان وانعكس بدرجة واضحة على أحاديث ومناقشات كثير من الفئات والشرائح الشعبية التي تفاعلت مع مشروع «ضرورة غزو الغرب دينياً».
ويكفي القول بأن مجموعة من الأهالي في مدينة جدة بدئوا العمل في مشروع يقومون فيه بإستظافة طلاب جامعيين من أمريكا في منازلهم وعلى حسابهم الخاص (أسعار التذاكر والمأكل والمشرب) وذلك لكي يلمسوا بأنفسهم طبيعة الإسلام «الجداوي» ولم يكن غريباً موافقة وتشجيع السلطات السعودية الرسمية لهذا المشروع القادم من أكثر مناطق المملكة استعدادا لتغرب.
وعلى كلاً فقد بدا للسلطات السعودية أنها تحسم أمرها بمزيد من التعاون والاتساق مع الغرب وأمريكا تحديدا.
حيث وفر ذلك الغطاء الإعلامي جو رحب (تم استنزاف وإهدار تعاطف المسلمين مع طالبان) فتمكنت السعودية من منع الدعاء في الصلوات ضد الكفار والمشركين أو الدعاء لنصرة الأفغان على الأمريكيين عنوة وهو ما ألجئهم لتوجيه الدعاء دون تحديد (الدعاء بالنصر للمجاهدين من كل مكان دون أن تحدث أثارات كبيرة من مجتمع يعد نفسه الأقرب لطالبان والأكثر تعاطفاً معه،وقامت وزارة الداخلية باعتقال وفصل الآلف من العلماء السعوديين والدعاة وخطباء المساجد الذين أسمتهم بـ «المتطرفين» و«المشوهين للإسلام».
وبل حشدت معها حركة شعبية في داخل السعودية من دعاة الإصلاح والاعتدال والعلمانيين والليبراليين والقوميين ووضعتهم جميعاً في كفة واحدة ضد العنصر الوهابي المتطرف.
ويمكن توجت هذا الانتصار بتمكنها من التعبير الرسمي عن ارتياحها من نهاية الحرب الأمريكية - الأفغانية (التي انتهت مع أول شهر من عام 2002) وإنهاء حركة طالبان وتدمير القاعدة خصوصاً وأن الحرب كانت خاطفة دون الدخول في صدام حقيقي وطويل مع الشعب.
للحديث تتمة في الجزء القادم...
http://www.rasid.com/artc.php?id=19240

Wapher
del.icio.us


