حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني

شبكة قنوات المناهل.
قناة SEX العالمية - قناة هديل الصوتية - قناة الحقيقة القطرية - قناة شهيد كربلاء (ع) - قناة الفضيلة الرمضانية - قناة اقرأ التعليمية - قناة العـــ 3 ـــرب - قناة المسلمين العالمية Channel Muslim's World

06/05/2008 GMT 1

الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله)

2007-2010hassan @ 19:58

 

قناة المسلمين العالمية Channel Muslim's World

 

 الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله).

 

 العلامة جعفر سبحاني.

 

لقد طال النزاع في الآونة الأخيرة عن طريق وسائل الإعلام وغيرها حول الاحتفال بمولد النبي الأكرم،وقد رفع بعضهم شعار البدعة فيه،بينما يراه الأكثرون أنّه من السنّة. وإليك دراسة الموضوع في ضوء الأدلة.

 

 حب النبي أصل في الكتاب والسنّة.

 

قد عرفت أن العنصر المقوّم للبدعة هو عدم الدليل على جواز العمل،فلو كان هناك دليل خاص على جواز العمل،أو دليل عام يشمل المصاديق المحدثة فليس ذلك ببدعة،وقد ذكرنا لك أمثالاً كثيرة،وفي ضوء ما ذكر نركّز في هذا الفصل على وجود دليل عام على الاحتفال بيوم ميلاده،وإن لم يكن هناك دليل خاص،وأمّا الدليل فكما يلي: الحبّ والبغض خلّتان تتواردان على قلب الإنسان،تشتدّان وتضعفان،ولنشوئهما واشتدادهما أو ضعفهما عوامل وأسباب.

ولا شك أن حب الإنسان لذاته من أبرز مصاديق الحب،وهو أمر بديهي لا يحتاج إلى بيان،وجبلي لا يخلو منه إنسان ومن هذا المنطق حبّ الإنسان لما يرتبط به أيضاً،فهو كما يحبّ نفسه يحب كذلك كلّ ما يمت إليه بصلة،سواء كان اتصاله به جسمانياً،كالأولاد والعشيرة،أو معنوياً،كالعقائد والأفكار والآراء والنظريات التي يتبنّاها،وربّما يكون حبّه للعقيدة أشد من حبّه لأبيه وأمه،فيذبّ عن حياض العقيدة بنفسه ونفيسه،وتكون العقيدة أغلى عنده من كلّ شيء حتى نفسه التي بين جنبيه.

فإذا كانت للعقيدة هذه المنزلة العظيمة تكون لمؤسّسها ومغذّيها والدعاة إليها منزلة لا تقل عنها إذ لولاهم لما قام للعقيدة عمود،ولا اخضرّ لها عود،ولأجل ذلك كان الأنباء والأولياء بل جميع الدعاة إلى الأمور المعنوية والروحية محترمين لدى جميع الأجيال،من غير فرق بين نبي وآخر،ومصلح وآخر،فالإنسان يجد من صميم ذاته خضوعاً تجاههم،وإقبالاً عليهم.

ولهذا لم يكن عجيباً أن تحترم،بل تعشق النفوس الطيبة،طبقة الأنبياء والرسل،منذ أن شرّع الله الشرائع وبعث الرسل،فترى أصحابها يقدّمونهم على أنفسهم بقدر ما أوتوا من المعرفة والكمال.

 

 حب النبي في الكتاب.

 

ولوجود هذه الأرضية في النفس الإنسانية والفطرة البشريّة،تضافرت الآيات والأحاديث على لزوم حبّ النبي وكلّ ما يرتبط به،ليست الآيات إلا إرشاداً إلى ما توحي إليه فطرته،قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (1).

وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ) (2).

ويقول سبحانه: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (3).

فالآية الكريمة تأمر بأمور أربعة:

1- الإيمان به.

2- تعزيره.

3- نصرته.

4- اتّباع كتابه وهو النور الذي أنزل معه.

وليس المراد من تعزيره،نصرته،لأنّه قد ذكره بقوله: (ونصروه) وإنّما المراد توقيره،وتكريمه وتعظيمه بما أنّه نبيّ الرحمة والعظيمة،ولا يختصّ تعزيره وتوقيره بحال حياته بل يعمّها وغيرها،تماماً كما أنّ الإيمان به والتبعيّة لكتابه لا يختصّان بحال حياته الشريفة.

هذه هي العوامل الباعثة إلى حبّ النبي (صلّى الله عليه وآله) وهذه هي الآيات المرشدة إلى ذلك.

ولأجل دعم المطلب نذكر بعض ما ورد من الروايات في الحثّ على حبّه ومودّته.

 

 حب النبي (صلّى الله عليه وآله) في السنة.

 

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله):

1- (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده والناس أجمعين).

2- (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ الناس إليه من والده وولده).

3- (ثلاث من كنّ فيه ذاق طعم الإيمان: من كان لا شيء أحبّ إليه من الله ورسوله،ومن كان لئن يحرق بالنار أحبّ إليه من أن يرتدّ عن دينه،ومن كان يحبّ لله ويبغض لله).

4- (والله لا يكون أحدكم مؤمناً حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده).

5- (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه).

6- (من أحبّ الله ورسوله صادقاً غير كاذب،ولقي المؤمنين فأحبّهم،وكان أمر الجاهلية عنده كمنزلة نار ألقي فيها،فقد طعَم طعْم الإيمان) أو قال: (فقد بلغ ذروة الإيمان).

إنّ الذي يرى سعادته في ما جاء به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من شريعة ودين،هو الذي يذوق طعم الإيمان،وتذوّق طعم الإيمان لا يتحقّق إلا عندما يستنّ الإنسان بسنّة رسول الله،ويعمل بشريعته فيحصل على سعادته.

7- عن أبي رزين قال: قلت يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: (أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا،ويكون الله ورسوله أحبّ إليك ممّا سواهما،وتكون أن تحرق بالنار أحبّ إليك من أن تشرك بالله شيئاً،وتحبّ غير ذي نسب لا تحبّه إلا لله،فإذا فعلت ذلك قد دخل حبّ الإيمان في قلبك كما دخل قلب الظمآن حبّ الماء في اليوم القائظ).

8- (ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما).

9- عن أنس أن رجلاً سأل النبي (صلّى الله عليه وآله) عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: (وما أعددت لها؟) قال: لا شيء،إلا أنّي أحبّ الله ورسوله،فقال: (أنت مع من أحببت). قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي (صلّى الله عليه وآله): (أنت مع من أحببت).

10- أبو ذر قال: يا رسول الله الرجل يحبّ القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم؟ قال: (أنت يا أبا ذر مع من أحببت). قال: فإنّي أحبّ الله ورسوله،قال: (فإنّك مع من أحببت)،قال: فأعادها أبو ذر،فأعادها رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

11- (من أحيا سنّتي فقد أحبّني ومن أحبّني كان معي في الجنّة).

12- (والذي نفس محمد بيده ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني،ثمّ لئن يراني أحبّ إليه من أهله وماله معهم).

13- (إن أحدكم سيوشك أن يحبّ ينظر إليّ نظرة بماله من أهل وعيال).

14- (من أشدّ أمّتي لي حُبّاً أناس يكونون بعدي،يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله).

15- (أشدّ أمتي لي حبّاً قوم يكونون بعدي يودّ أحدهم أنّه فقد أهله وماله وأنّه رآني).

16- (إنّ أناساً من أمّتي يأتون بعدي يودّ أحدهم لو اشترى رؤيتي بأهله وماله).

17- (من دعا بهؤلاء الدعوات في دبر كلّ صلاة مكتوبة حلّت له الشفاعة منّي يوم القيامة: اللهم أعط محمد الوسيلة،واجعل في المصطفين محبّته،وفي العالمين درجته،وفي المقرّبين ذكر داره).

18- (من قال في دبر كلّ صلاة مكتوبة: اللهمّ أعط محمد الدرجة والوسيلة،اللهم اجعل في المصطفين محبّته،وفي العالمين درجته،وفي المقرّبين ذكره،من قال تلك في دبر كلّ صلاة فقد استوجب عليّ الشفاعة،ووجبت له الشفاعة).

وقد روي عن أبي بكر قال: الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) أمحق للخطايا من الماء للنار،والسلام على النبي (صلّى الله عليه وآله) أفضل من أعتق الرقاب،وحبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أفضل من عتق الأنفس أو قال: من ضرب السيف في سبيل الله عزّ وجلّ (4).

 

 اختلاف الأمة في درجات حبّهم للنبي (صلّى الله عليه وآله).

 

وليست الأمّة المؤمنة في ذلك شرعاً سواء،بل هم فيه متفاوتون على اختلاف درجات عرفانهم به كاختلافهم في حبّ الله تعالى.

قال الإمام القرطبي: (كلّ من آمن بالنبي (صلّى الله عليه وآله) إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبّة الراجحة غير أنّهم متفاوتون،فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظّ الأوفى،ومنهم من أخذ منها بالحظّ الأدنى،كم كان مستغرقاً في الشهوات،محجوباً في الفضلات في أكثر الأوقات،لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي (صلّى الله عليه وآله) اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده،ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة،ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردّد فيه) (5).

 

 مظاهر الحبّ في الحياة.

 

إن لهذا الحبّ مظاهر،إذ ليس الحبّ شيئاً يستقر في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الإنسان وتصرّفاته،بل أنّ من خصائص الحبّ أن يظهر أثره على جسم الإنسان وملامحه،وعلى قوله وفعله،بصورة مشهودة وملموسة.

فحبّ الله ورسوله الكريم لا ينفك عن اتّباع دينه،والاستنان بسنّته،والإتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه،ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محبّاً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) أشدّ الحبّ،ومع ذلك يخالفه فيما يبغضه ولا يرضيه،فمن ادّعى حباً في نفسه وخالفه في عمله،فقد جمع بين شيئين متخالفين متضادّين.

ولنعم ما قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في هذا الصدد موجهاً كلامه إلى مدّعي الحبّ الإلهي كاذباً:

تعصي الإله وأنت تظهر حبّه          هذا لعمري في الفعال بديع

لو كان حبّك صادقاً لأطعته          إن المحبّ لمن يحبّ مطيع (6)

 

 للحبّ مظاهر وراء الاتباع.

 

نعم لا يقتصر أثر الحب على هذا،بل له آثار أخرى في حياة المحب،فهو يزور محبوبه ويكرمه ويعظّمه ويزيل حاجته،ويذبّ عنه ويدفع عنه كلّ كارثة ويهيئ له ما يريحه ويسرّه إذا كان حيّاً.

وإذا كان المحبوب ميّتاً أو مفقوداً حزن عليه أشد الحزن،وأجرى له الدموع كما فعل النبي يعقوب (عليه السلام) عندما افتقد ولده الحبيب يوسف (عليه السلام) فبكاه حتى ابيضّت عيناه من الحزن،وبقي كظيماً حتى إذا هبّ عليه نسيم من جانب ولده الحبيب المفقود،هشّ له وبشّ،وهفا إليه شوقاً وحبّاً.

بل يتعدّى أثر الحب عند فقد الحبيب وموته هذا الحدّ،فنجد الحبّ يحفظ آثار محبوبه،وكلّ ما يتّصل به،من لباسه وأشيائه،كقلمه ودفتره وعصاه ونظّارته. كما ويحترم أبناءه وأولاده،ويحترم جنازته ومثواه،ويحتفل كلّ عام بميلاده وذكرى موته،ويكرمه ويعظّمه حبّاً به ومودّة له.

إلى هنا ثبت،أنّ حب النبي وتكريمه أصل من أصول الإسلام لا يصحّ لأحد إنكاره،ومن المعلوم أن المطلوب ليس الحبّ الكامن في القلب من دون أن يرى أثره على الحياة الواقعية،وعلى هذا يجوز للمسلم،القيام بكلّ ما يعدّ مظهراً لحبّ النبي،شريطة أن يكون عملاً حلالاَ بالذات،ولا يكون منكراً في الشريعة،نظير:

1- تنظيم السنّة النبوية: وإعراب أحاديثها،وطبعها،ونشرها بالصور المختلفة،والأساليب الحديثة،وفعل مثل هذا بالنسبة إلى أقوال أهل البيت وأحاديثهم.

2- نشر المقالات والكلمات،وتأليف الكتب المختصرة والمطوّلة حول حياة النبي وعترته،وإنشاء القصائد بشتّى اللغات والألسن في حقّهم،كما كان يفعله المسلمون الأوائل.

فالأدب العربي بعد ظهور الإسلام يكشف عن أن إنشاء القصائد في مدح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان ممّا يعبّر به أصحابها عن حبّهم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله). فهذا هو كعب بن زهير ينشئ قصيدة مطوّلة في مدح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منطلقاً من إعجابه وحبّه له (عليه السلام)،فيقول في جملة ما يقول:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول          متيّم إثرها لم يُفْد مكبول

نُبِّئتُ أنّ رسول الله أوعدني          والعفوُ عند رسول الله مأمول

ويقول:

مهلاً هداك الذي أعطاك نا          فلة القرآن فيها مواعظ وتفصيل

إنّ الرسول لنور يستضاء به           مهند من سيوف الله مسلول (7)

وقد ألقى هذه القصيدة في حضرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه،ولم ينكر عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وهذا هو حسّان بن ثابت الأنصاري يرثي النبي (صلّى الله عليه وآله)،ويذكر فيه مدائحه،ويقول:

بطيبة رسم للرسول ومَعْهَد          مُنير وقد تعفو الرسوم وتحمد

إلى أن قال:

يدلّ على الرحمن من يقتدي به          وينقذ من هول الخزايا ويرشد

إمام لهم يهديهم الحقّ جاهداً           معلم صدقٍ إن يطيعوه يَسْعَدوا (8)

وهذا هو عبد الله بن رواحة ينشئ أبياتاً في هذا السياق فيقول فيها:

خلوا بني الكفار عن سبيله          خلّوا فكلّ الخير في رسوله

يا ربّ إنّي مؤمن بقيله          أعرف حقّ الله في قبوله (9)

هذه نماذج ممّا أنشأه الشعراء المعاصرون لعهد الرسالة في النبي الأكرم ونكتفي بها لدلالتها على ما ذكرنا.

ولو قام باحث بجمع ما قيل من الأشعار والقصائد حول النبي الأكرم لاحتاج في تأليفه إلى عشرات المجلّدات. فإنّ مدح النبي كان الشغل الشاغل للمخلصين والمؤمنين منذ أن لبّى الرسول دعوة ربّه،ولا أظنّ أنّ أحداً عاش في هذه البسيطة،ونال من المدح بمقدار ما ناله الرسول (صلّى الله عليه وآله) من المدح بمختلف الأساليب والنظم.

وهناك شعراء مخلصون أفرغوا فضائل النبي ومناقبه في قصائد رائعة وخالدة،مستلهمين ما جاء في الذكر الحكيم والسنّة المطهّرة في هذا المجال،فشكر الله مساعيهم الحميدة وجهودهم المخلصة.

3- تقبيل كلّ ما يمتّ إلى النبي بصلة: كباب داره،وضريحه وأستار قبره،انطلاقاً من مبدأ الحبّ الذي عرفت أدلّته. وهذا أمر طبيعي وفطري،فبما أن الإنسان المؤمن لا يتمكّن بعد رحلة النبي (صلّى الله عليه وآله) من تقبيل الرسول (صلّى الله عليه وآله) (10) فيقبّل ما يتّصل به بنوع من الاتصال،وهو كما أسلفنا أمر طبيعي في حياة البشر حيث يلثمون ما يرتبط بحبيبهم ويقصدون بذلك نفسه. فهذا هو المجنون العامري كان يقبّل جدار بيت ليلى ويصرّح بأنّه لا يقبّل الجدار،بل يقصد تقبيل صاحب الجدار،يقول:

مرّ على الديار ديار ليلى          أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا

فما حبّ الديار شغفن قلبي          ولكن حبّ من سكن الديارا

4- إقامة الاحتفالات في مواليدهم: وإلقاء الخطب والقصائد في مدحهم،وذكر جهودهم ودرجاتهم في الكتاب والسنّة،شريطة أن لا تقترن تلك الاحتفالات بالمنهيّات والمحرّمات.

ومن دعا إلى الاحتفال بمولد النبي في أي قرن من القرون،فقد انطلق من هذا المبدأ،أي حبّ النبي الذي أمر به القرآن والسنّة بهذا العمل.

هذا هو مؤلف تاريخ الخميس يقول في هذا الصدد: (لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده،ويعملون الولائم،ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات،ويظهرون السرور،ويزيدون في المبرّات،ويعتنون بقراءة مولده الشريف،ويظهر عليهم من كرامته كلّ فضل عظيم) (11).

وقال أبو شامة المقدسي في كتابه: (ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل في اليوم الموافق ليوم مولده (عليه السلام) من الصدقات والمعروف بإظهار الزينة والسرور،فإنّ في ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء شعاراً لمحبّته) (12).

أنا لا أوافق الشيخ المقدسي في تسميته للاحتفال بالبدعة إلا أن يريد البدعة بالمعنى اللغوي،كما أنّ الاحتجاج على حسن الاحتفال بالأعمال الجانبيّة من صدقات ومعروف وإظهار الزينة...،فإنّ هذه الأمور الجانبيّة لا تسوغ الاحتفال،ولا تضفي عليه صبغة شرعية ما لم يكن هناك دليل في الكتاب والسنّة،وقد عرفت وجوده.

وقال القسطلاني: (ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده (عليه السلام)،ويعملون الولائم،ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات،ويظهرون السرور،ويزيدون في المبرّات،ويعتنون بقراءة مولده الكريم،ويظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عظيم... فرحم الله امرئً اتّخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً،ليكون أشدّ علّة على من في قلبه مرض وأعيا داء) (13).

إذا عرفت ما ذكرناه فلا نظنّ أن يشكّ أحد في جواز الاحتفال بمولد النبي الأكرم،احتفالاً دينياً في رضا الله ورسوله،ولا تصحّ تسميته بدعة،إذ البدعة هي التي ليس لها أصل في الكتاب والسنّة،وليس المراد من الأصل،الدليل الخاص،بل يكفي الدليل العام في ذلك.

ويرشدك إلى أن هذه الاحتفالات تجسيد لتكريم النبي،وجدانك الحرّ،فإنّه يقضي بلا مرية على أنّها إعلاء لمقام النبي وإشادة بكرامته وعظمته،يتلقاها كلّ من شاهدها عن كثب،على أن المحتفلين يعزّرون نبيّهم ويكرمونه ويرفعون مقامه اقتداء بقوله سبحانه: (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) (14).

 

 السنّة النبوية وكرامة يوم مولده.

 

1- أخرج مسلم في صحيحه عن أبي قتادة أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: (ذاك يوم ولدت فيه،وفيه أنزل عليّ) (15).

يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي - عند الكلام في استحباب صيام الأيام التي تتجدّد فيها نعم الله على عباده - ما هذا لفظه: (إنّ من أعظم نعم الله على هذه الأمّة إظهار محمد (صلّى الله عليه وآله) وبعثه وإرساله إليهم،كما قال الله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فصيام تجدّدت فيه هذه النعمة من الله سبحانه على عباده المؤمنين حسن جميل،وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجدّدها بالشكر) (16).

2- روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس (عليه السلام) قال: قدم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء،فسألوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون،ونحن نصومه تعظيماً له،فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): (نحن أولى بموسى منكم) فأمر بصومه (17).

وقد استدلّ بان حجر العسقلاني بهذا الحديث على مشروعيّة الاحتفال بالمولد النبي على ما نقله الحافظ السيوطي،فقال: (فيستفاد فعل الشكر لله على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة،أو دفع نقمة ويعاد ذلك،نظر ذلك اليوم من كل سنة. والشكر لله يحصل بأنواع العبادة،كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة،وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم) (18).

3- وللسيوطي أيضاً كلام آخر نأتي بنصّه،يقول: (وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر،وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي (صلّى الله عليه وآله) عقّ عن نفسه بعد النبوة مع أنّه قد ورد أن جدّه عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته،والعقيقة لا تعاد مرّة ثانية،فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي (صلّى الله عليه وآله) إظهار للشكر على إيجاد الله إيّاه رحمة للعالمين وتشريع لأمّته كما كان يصلّي على نفسه،لذلك فيستحبّ لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع،وإطعام الطعام،ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرّات) (19).

4- أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً؟ فقال: أي آية؟ قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) (20) فقال عمر: إنّي لأعلم اليوم الذي نزلت فيه،والمكان الذي نزلت فيه،ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) قائم بعرفة يوم الجمعة (21).

وأخرج الترمذي عن ابن عباس نحوه وقال: فيه نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة،وقال الترمذي: وهو صحيح (22).

(وفي هذا الأثر موافقة عمر بن الخطاب على اتخاذ اليوم الذي حدثت فيه نعمة عظيمة عيداً لأنّ الزمان ظرف للحدث العظيم،فعند عود اليوم الذي وقعت فيه الحادثة كان موسماً لشكر تلك النعمة،وفرصة لإظهار الفرح والسرور) (23).

نرى أن المسيح عندما دعا ربّه أن ينزل مائدة عليه وعلى حواريه قال: (اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (24). فقد اتّخذ يوم نزول النعمة المادية التي تشبع البطون عيداً،والرسول الأكرم نعمة عظيمة منّ بها الله على المسلمين بميلاده،فلم لا نتّخذه يوم فرح وسرور؟!

 

 الاستدلال بالإجماع.